فهرس الكتاب
وحكم هؤلاء: أن يلتزموا مذهب إمام معيّن ولا يأخذون إلا بأقوال إمامهم، فإن قول إمامهم دليل في حقّهم، وليس لهم أن يحكموا على أقوال إمامهم بأنه معارض للكتاب أو السنة بمجرّد مطالعة حديث ورؤية آية؛ لأن دلائل الكتاب أو السنة ربّما تقع معارضة فيما بينها أو مجملة، وليس عند هذا العامي ما يرفع هذا التعارض أو الإبهام، فإنه يحتاج إلى علم غزير وخبرة واسعة.
الدرجة الثانية: تقليد مجتهد في المذهب، وهو وإن كان مقلدًا لإمامه في الأصول ولكنه حصل له نوع من الاجتهاد في الفروع أو النوازل، بتخريجها على أصول وفروع إمامه.
وحكمه الالتزام بمذهب من يقلِّده في كلِّ فروعه إلا ما اقتضت الضرورة أو الحاجة الملحة إلى الإفتاء به بمذهب غيره من الأئمة - رضي الله عنهم -، ولا يكون ذلك إلا بعد التمحيص والتدقيق، والأفضل فيه مشاورة أهل الاختصاص والعلم لعلَّ أن يكون فيه مخرجًا تغني عن ذلك.
الدرجة الثالثة: تقليد مجتهد مطلق منتسب، أو تقليد عالم متبحر وهو الذي وإن لم يبلغ درجة الاجتهاد الكلي، ولكنه لسعة معرفته بعلوم القرآن والسنة وتبحره في مذهب إمامه وطول ممارسته بالفقه والفتيا لدى أساتذة مهرة تحصل له ملكة قوية في النظر في دلائل الأحكام الفقهية.
فإن مثل هذا العالم وإن كان يقلّد إمامه في معظم الأبواب الفقهية، ولكنه إذا وجد قولًا لإمامه معارضًا لنص صريح ولم يجد مع طول بحثه ما يعارض ذلك النص، فإنه يجوز له أن يترك قول إمامه من أجل ذلك النص الصريح، وكذلك إذا شعر مثل هذا العالم بضرورة عامة جاز له من أجلها أن يفتي أو يعمل بقول مجتهد آخر غير إمامه، ولكن الأحوط في هذا الزمان أن لا يستبدّ الرجل في مثل هذه المسائل برأيه الفريد، بل يشاور غيره من العلماء ولا يفتي فتوىً عامة إلا بعد حصول اتفاق جماعة من العلماء الراسخين.