الصفحة 235 من 374

إذا تقرَّر هذا فإنه يمكن القول بأن كلام المجتهد في المسائل الفقهية هو تطبيق لقواعده وأصوله التي اعتمدها في استخراج الأحكام، ففي اعتماد حكمه قطع لمرحلة طويلة وصعبة جدًا من استنباط للحكم من الأدلة التفصيلية.

فالأمر أمر مرحلية وتدرج، وليس إهمالًا وتركًا للأدلة الشرعية؛ لأن أحكام المجتهد مأخوذة من الأدلة، فهي تمثِّلها، ولكنها قطعت مرحلة للمجتهد في المذهب لاستخراج الأحكام التي لم يبينها المجتهد.

وتأكيد هذا ما يلاحظ في القواعد الفقهية التي استخرجت من مجموعة الأحكام الفقهية المتناثرة المتفقة فيما بينهما، ومن ثم يمكن الاعتماد على القاعدة في معرفة الأحكام غير المبيِّنة كما هو معلوم (1) .

قال الإمام المرادي الحنبلي - رضي الله عنه - (2) : (( فالمجتهد في مذهب الإمام أحمد - رضي الله عنه - مثلًا: إذا أحاط بقواعد مذهبه , وتدرب في مقاييسه وتصرفاته: ينزل من الإلحاق بمنصوصاته وقواعد مذهبه منْزلة المجتهد المستقل في إلحاقه ما لم ينصّ عليه الشارع بما نص عليه, وهذا أقدر على ذا من ذاك على ذاك, فإنه يجد في مذهب إمامه قواعد ممهدة, وضوابط مهذبة, ما لا يجده المستقلّ في أصول الشارع ونصوصه ) ).

وقال الفقيه ابن عابدين الحنفي - رضي الله عنه - (3) :هو مَن استخرج الأحكام من (( مذهب مجتهد

تخريجًا على أصوله، لا نقل عينه إن كان مطلعًا على مبانية: أي مأخذ أحكام المجتهد، أهلًا للنظر فيها، قادرًا على التفريع على قواعده، متمكنًا من الفرق والجمع والمناظرة في ذلك بأن يكون له ملكة الاقتدار على استنباط أحكام الفروع المتجددة التي لا نقل فيها عن صاحب المذهب من الأصول التي مهدها صاحب المذهب )) .

(1) ينظر: المنهج الفقهي ص148-149.

(2) في الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12: 262.

(3) في شرح عقود رسم المفتي 1: 31.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت