فأصحاب هذه الطبقة كما يصفهم الإمام الدِّهلوي - رضي الله عنه - (1) : (( قومٌ توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين أو بين جمهورهم إلى التَّخريج على أَصل رجلٍ من المتقدمين، وكان أكثر أمرهم حمل النظير على النظير، والرد إلى أصلٍ من الأصولِ دون تتبع الأحاديثِ والآثارِ ) ).
ومصدر الاجتهاد الوحيد عندهم هو: (( ما نقل إليهم من كلامِ أئمةِ المذهبِ الذِين يقلِّدون أهله ) ) (2) ،قال الإمام النووي الشافعي (3) والإمام المرادي الحنبلي (ت885هـ) - رضي الله عنهم - (4) : (( يتخذ نصوص إمامه أصولًا يستنبط منها كفعل المستقلّ بنصوص الشرع ) ).
وإن اعترض عليهم بأن أقوال الأئمة غير معصومة فكيف تُنَزل مَنْزلة الوحيين المعصومين؛ لأن ما روي عن الإمام صاحِب المذهب ليس قرآنًا، ولا أحاديث صحيحة، فكيف تستَنبَطُ الأحكام منه؟
ويجاب بما يلي:
(( إنه كلام أئمةٍ مجتهدين عالمين بقواعدِ الشرِيعةِ والعربيةِ، مبينين للأحكامِ الشرعية، فمدلول كلامهم حجَّة على من قلدهم، منطوقًا كان أو مفهومًا، صريحًا كان أو إشارة، فكلامهم بالنسبة له كالقرآن والحديث بالنسبة لجميع المجتهدين. وله فضل عظيم لا يستطيع أحد إنكاره، وهو أنه فتح بابًا واسِعًا لِتطورِ الفقه، ومسايرته لأحداث الحياة ) ) (5) .
إنه لا يكون اجتهاد مجتهد إلا بأن يكون له قواعد يحتكم إليها في استخراج الأحكام الفقهية، سواء كان هو واضعها أو قلَّد فيها غيره؛ لأن استنباط الأحكام الفقهية من الكتاب والسنة يحتاج إلى أصول وقواعد، فمثلًا: إذا تعارضت الأحاديث في الدلالة على حكم من الأحكام يستطيع بالقواعد التي يمشي عليها أن يستخرجه.
(1) في الإنصاف ص93.
(2) ينظر: الموسوعة المصرية 1: 38، وغيره.
(3) في المجموع 1: 76.
(4) ينظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 12: 260، وغيره.
(5) ينظر: المصدر السابق 1: 20، وغيره.