ثالثًا: المجتهد في المذهب: وهو أن يكون مقيدًا بمذهب إمام، مُستقلًا بتقريرِ أصولهِ بالدليلِ، غير أنه لا يجاوز في أدلته أصول إمامهِ وقواعده، وشرطه كونه عالمًا بالمذهبِ وأصولهِ، وأدلة الأحكام تفصيلًا، وكونه بصيرًا بمسالك الأقيسة والمعاني، تام الارتياض في التَّخريج والاستنباط بقياس غير المنصوص عليه على المنصوص لِعلمِهِ بأصولِ إمامهِ، ولا يعرى عن تقليدٍ لإمامه، لإخلاله ببعض أدوات الاجتهاد المستقل، كالنحو والحديث ونحو ذلك (1) .
وهذه الطبقة اتصف بها ما لا يحصى عددًا من أرباب المذاهب الأربعة لا سيما في مذهب أبي حنيفة - رضي الله عنه - كأبي الحسن الكرخيّ وشمس الأئمة السَّرَخْسيّ وفخر الإسلام البَزْدويّ وفخر الدين قاضي خان وأبو بكر الرازيّ والأستاذ السَّبَذمُوني (2) والجرجانيّ (3) والقُدُوريّ والمَرْغينانيّ (4) والنَّسَفيّ (5) وغيرهم - رضي الله عنهم -.
فكان أصحاب هذه الطبقة علماء الأئمة بعد استقرار المذاهب الفقهية وتقعيد
قواعدها وأصولها؛ إذ ضبط المسائل الفقهية على مذهب واستخراج ما لم ينص عليه فيه مما نصّ عليه فيه متيسِّرٌ لمن درسه بتمعّن وأتقنه في أي زمان بخلاف الاجتهاد المطلق فإنه متعسِّر كلَّما تأخّر الزمان كما سبق.
(1) ينظر: النافع الكبير 7-18 عن شن الغارة على من أظهر معرة تقوله في الحنا وعواره لابن حجر الهيتمي. وينظر: الاجتهاد المطلق للبطري ص16-17، والإنصاف في أسباب الاختلاف ص80-82 وغيرها.
(2) ينظر: الكلام على درجته: التعليقات السنية ص104.
(3) ينظر: الكلام في درجته: النافع الكبير ص12-13.
(4) ينظر: تفصيل درجته في الاجتهاد: التعليقات السنية ص141.
(5) ينظر: تفصيل حاله: التعليقات السنية ص101-102.