وهذا الحكم يكون للعالم الذي تخصص في أحد العلوم وعرف دقائقه وخباياه، وعرف حاجة الناس إليه، فإن هذا العلم يكون له فرض عين يأثم إذا لم يعلمه للناس وينشره بين المسلمين إن لم يكن غيره يقوم بذلك، قال - جل جلاله: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (( 1) ، وقال - جل جلاله: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ (( 2) ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (رحم الله امرأ سمع منّي حديثًا فحفظه حتى يبلغه غيره فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه) (3) .
قال السيد العلوي السقاف (4) : (( ينقسم العلم من حيث هو شرعيًا كان أو غيره غالبًا إلى فرض عين وفرض كفاية:
فالأول: وهو فرض العين: ما لا رخصة لمكلف في جهله، وهو علم ما تتوقف عليه صحة إيمانه من الأصول الدينية، وعلم ظواهر ما يتلبس به في الحال ولو نفلًا من الأحكام الفقهية، فعلى كل مكلّف قادر: أي على التعلم ولو بالسفر ماشيًا إن أطاقه أن يعدّ تعلم ما لم يصح إيمانه بدونه وما يحتاجه في نحو وضوئه وصلاته وصومه وزكاة وجبت عيه وحج أراده وفيما يباشره من معاملة وصناعة ومناكحة ومعاشرة ونحوها…
والثاني: وهو فرض الكفاية: ما إذا قام به البعض سقط الحرج عن الباقين إن حصل المقصود بفعل البعض رخصة وتخفيفًا،… والتكليف في فرض الكفاية موقوف على حصول الظن الغالب فإن غلب على ظنّ جماعة أن غيرهم يقوم بذلك سقط عنها الطلب، … وفرض الكفاية من العلم ما تدعو إليه ضرورة مما لا يتمّ أمر المعاش والمعاد بدونه من الأحكام الشرعية بحيث يصلح مَن تعلمه من المكلفين للقضاء والإفتاء… )) .
(1) المائدة: من الآية67.
(2) الحجر: من الآية94.
(3) في صحيح ابن حبان 1: 270، والمستدرك 1: 162، والمسند المستخرج 1: 40، وجامع الترمذي 5: 33، وحسنه، وغيرها.
(4) في الفوائد المكية ص13.