إن تعلم ما يحتاجه المسلم والمسلمة من علم الفقه فرض عين كالطهارة والصلاة والصوم على جميع المسلمين، والحيض والنفاس على النساء خاصة، وأحكام البيوع لمن يشتغل بالتجارة وهكذا، قال الحَصْكَفِيّ - رضي الله عنه - (1) : (( النَّظرُ في كتبِ أَصحابنا من غير سماع ـ أي على الشيوخ ـ أفضل من قيام الليل، وتعلم الفقهِ أفضل من تعلمِ باقي القرآن ) )؛ (( لأنَّ حفظَ القرآن فرضُ كفاية، وتعلم ما لا بد من الفقه فرض عين ) ) (2) ، أي ما يحتاجه المسلم من أحكام الطهارة والصلاة والصوم وغيرها من العبادات بالإضافة إلى ما يحتاج من الأحكام في معاملاته وحياته اليومية، فإنه يجب عليه أن يتعلمه، أما حفظ ما زاد عما يكفيه في صلاته من القرآن فإنه من فروض الكفاية.
أما تعلم سائر أحكام الفقه فهو فرض كفاية على المسلمين، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين؛ لأنه لا بد من حفظها وتوصيلها للمسلمين ليعملوا وينتفعوا بها، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (( 3) ، ومعلوم أن حفظ الله لها يكون على أيدي المسلمين، ممن يتخصصون في تعلمه وتعليمه.
وقال تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (( 4) . فالآية دالة على أننا مأمورون بأن يتفرَّغَ منا البعض لتعلم أحكام الشريعة؛ ليعلموها للناس.
وعلى ذلك وجدنا الصحابة والتابعين وما تابعهم إلى يومنا هذا، ففي كل فنًّ من الفنون وعلم من العلوم نرى فيه أهل الذكر، الذين اشتغلوا في ليلهم ونهارهم على حفظه بتعلمه وتعليمه للآخرين، حتى وصلت لنا علوم الشريعة المختلفة دون انتقاص.
(1) في الدر المختار 1: 26-27.
(2) رد المحتار على الدر المختار1: 27، وغيره.
(3) الحجر:9.
(4) التوبة:122.