فهرس الكتاب
الثاني: سد باب الاجتهاد المستقل؛ لا سيما بعد ابن الصلاح الشافعي - رضي الله عنه -؛ لما ظهر لهم من الشرّ المستطير في فتحه من قبل الجهال وأصحاب الأهواء؛ ولأنه لم تعد فائدة منه إلا التلاعب بالدين وحصول الفوضى والاضطراب الفقهي بين العوام والعلماء، طالما أنه يمكن إيفاء جميع حاجيات الناس في المسائل المستحدثة من خلال الاجتهاد المذهبي المضبوط بقواعد وأصول تحدّ من خطر المتلاعبين وأصحاب المصالح الشخصية.
الثالث: ظهور المجتهدين في كلٍّ من المذاهب الفقهية؛ الذي يقومون باستنباط ما يقع للناس من نوازل بقياسها على فروع مذهبهم واستخراجها من أصوله وقواعده على ما سبق ذكره، مما جعل كل واحد من هذه المذاهب كافيًا لحاجة الناس وشاملًا لحياتهم وما يستجد فيها، فلم يعتر التقصير واحدًا منها حتى يشتكي أهله منه، بل نجد أن كل أصحاب وأتباع مذهب كانوا مكتفين ومستغنين به عمّا سواه، ويدرك هذا كل من يطّلع على مطولات هذه المذاهب لكثرة ما اشتملت عليه من المسائل.
الرابع: ظهور العلماء المنكبين على دراسة وتدريس مذهب من المذاهب الأربعة؛ وهذا هو السبب الرئيس في انتشار المذاهب الفقهية واكتفاء الناس بها عن غيرها؛ إذ أن العالم الصادق يكون له أكبر الأثر في حياة الناس وقناعاتهم، فكم من بلاد كانت على مذهب معيَّن، ثم انتقلت إلى غيره بسبب انتقال عالم صالح فاضل لها يدين بهذا المذهب
فحياة كل فكر ومذهب بحياة علمائه ونشاطهم، وهذا سرّ فشو مذهب في بلد واضمحلاله؛ إذ أنه إذا وجد مَن يحمل لواءه أثبت وجوده وانتشر بين الناس، وإذا قل علماؤه انكمش وانزوا إلى أن يتلاشا. ويلاحظ هذا كلَّ مَن أكثر من مطالعة الكتب التاريخية والتراجم.
الخامس: ظهور الكتب المتنوعة في عرض مسائل كلّ مذهب؛ إذ وجد من الكتب ما يوافق رغبات الناس وأحوالهم وقدراتهم كمتعلمين ومعلمين، من ذلك: