الصفحة 300 من 374

إن تقديم قول إمامه على الحديث ليس لأنه أفضل وأولى من حديث رسول - صلى الله عليه وسلم - ومن ظنّ هذا خيف عليه؛ وإنما ذلك لأن إمامهم اجتهد في استخراج الحكم الشرعي من نصوص القرآن والسنة النبوية، ولم يخالف الحديث إلا لدليل أقوى منه من آية أو حديث آخر؛ لحصول نسخ أو تأويل أو تخصيص أو ما شابهه مما سبق تفصيله.

إن استخراجهم الأحكام الشرعية من نصوص إمامهم لا من نصوص الشارع؛ لأن إمامهم قام بمرحلة استخلاص الفروع المنضبطة من نصوص الشرع لا غير، ومن ثَمَّ قعَّد لهم القواعد المحكمة والأصول الدقيقة التي يمكنهم منها استنباط الأحكام الشرعية، بدل أن يبدأوا من جديد بإخراج القواعد من القرآن والسنة؛ لأخذ الأحكام منها؛ إذ أنهم بذلك يبذلون جهدًا في أمر تَمَّ وانتهى فلا طائل من إضاعة العمر فيه إلا التقعاس عن إيفاء حاجات الناس في المسائل الفرعية، وإيقاف نمو وشموخ وازدهار هذا الصرح الفقهي العظيم.

إن حاملين لواء هذه الدعوة ينبذون المذاهب وكأنها مأخوذة من هوى الأنفس، ويدّعون أنهم يريدون أن يرجعوا إلى الكتاب والسنة، وكأن هذه المذاهب مستقاة من غيرهما، قال الدكتور علي نايف البقاعي (1) : (( ويطالعنا بعض أهل هذا العصر بدعوةٍ جديدة إلى الأخذ من الكتاب والسنة كما هو مذهب السلف - رضي الله عنهم -، وهل بنيت المذاهب الأربعة على غير الكتاب والسنة! أو خرج أحد الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد عن أن يكون من سلف هذه الأمة! أما كانوا جميعًا في خير القرون التي زكاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فإن لم يكونوا من السلف فمن السلف إذن؟

(1) في كتابه النافع الماتع الاجتهاد في علم الحديث ص567-569.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت