وكان سبب عدم تدوين السنة كاملة في عصره - صلى الله عليه وسلم - هو نهيه عن ذلك، إذ قال - صلى الله عليه وسلم: (لا تكتبوا عنّي ومن كتب عنّي غير القرآن فليمحه، وحدّثوا عنّي ولا حرج ومَن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) (1) ، وهذا النهي عن التدوين لكل السنة يرجع لأسباب منها:
خشية اختلاط السنة بالقرآن؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بكتابة القرآن، فلو حرص على كتابة السنة مثله؛ لوقع في بعض المواضع للصحابة - رضي الله عنهم - شك هل هي من القرآن أو السنة.
أنه لم تكن حاجة للتدوين؛ إذ أن الصحابة - رضي الله عنهم - يعايشونه لحظة بلحظة وكانوا شديدي الحرص على متابعته في سكناته وحركاته، فكلّ أحواله محفوظة في أذهانهم؛ لحبهم العظيم له.
أن في تدوينها في عصره - صلى الله عليه وسلم - عسرة وكلفة شديدة؛ إذ أنه لا يعقل أنه يمكنهم كتابة كل فعل أو قول أو إشارة أو همسة تصدر عنه - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن ذلك يحتاج إلى أن يتابعه أفراد يحملون كراريس في كل أوقاته حتى عند منامه، وهذا يتنافى مع طبيعة الدعوة والسيرة التي كان عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
المطلب الثاني: تدوين الفقه في عصر الصحابة - رضي الله عنهم:
قام أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - بجمع القرآن في مجموع واحد بعد إلحاح عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لكثرة ما قتل من قراء القرآن - رضي الله عنهم - في حروب الردة، وخشية ضياعه؛ لحفظه في صدورهم وفي رقاع مفرقة عندهم.
(1) في صحيح مسلم 4: 2298، واللفظ له، وصحيح ابن حبان 1: 265، والمستدرك 1: 216، وسنن الدارمي 1: 130 وغيرها.