الصفحة 316 من 374

وأنت ترى أنه لم يصل إلينا من أي فقيه في طبقته أو في طبقة تقارب طبقته، كتب في الفقه قدر ما وصل إلينا من مؤلفاته، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء )) .

المطلب الثاني: تدوين فقه الإمام مالك - رضي الله عنه:

مرّ معنا سابقًا كثرة التلاميذ الذين تلقوا على الإمام مالك - رضي الله عنه -، ومنهم من كان اهتمامه بسماع وجمع أجوبة الإمام مالك - رضي الله عنه - في المسائل الفقهية، وكانوا يدوّن بعضهم ما يسمعه من الأجوبة عن الإمام مالك - رضي الله عنه - لنفسه، وممن كانت لهم أسمعة مدونة: علي بن زياد، وزياد بن عبد الرحمن الملقب بشبطون، وعبد الله بن وهب، وأشهب، وابن القاسم، وابن الماجشون، وعيسى بن دينار، وعبد الله بن عبد الحكم، وغيرهم، وهذه الأسمعة هي أصل ما بعدها من المدونات (1) .

وكان التدوين الفعلي في المذهب على يد أسد بن الفرات الذي سمع (( الموطأ ) )من علي بن زياد بتونس، وتلقى عنه العلم، وارتحل إلى المشرق فجاء إلى مالك - رضي الله عنه -، فسمع منه (( الموطأ ) )، وانضم إلى تلاميذه، وصار يسأله عن المسائل كما يسألون، ويسمع منه ما يسمعون، إلا أنه وجد حائلًا يحول بينه وبين ما كان يشتهي من الزيادة في توجيه الأسئلة وكثرة التفريع، فوجهه الإمام مالك إلى العراق ليجد رغبته كما يريد، ولم يكن توجيهه إياه توجيه كراهية وطرد، وإنما كان توجيه نصح وإرشاد إلى البيئة التي تصلح مع نزعته وميله.

(1) ينظر: منهج كتابة الفقه المالكي بين التجريد والتدليل ص59-60، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت