الصفحة 317 من 374

فتوجه أسد إلى العراق وحطَّ رحاله بالكوفة، فلقي فيها أصحاب الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه: أبا يوسف ومحمد بن الحسن وغيرهما، فسمع منهم ودارسهم وتفقه بهم، لا سيما محمد بن الحسن الذي لازمه مدة لقي فيها ترحابًا منه وإكرامًا، ووجد عنده بغيته، فأكثر من السماع عليه ومن طرح الأسئلة، ومنحه محمد بن الحسن وقتًا كبيرًا، فقد شكا إليه أسد قلة السماع في حلقات درسه العامة بالنهار، فجعل له ليله كله خاصًا به، فجمع منه علمًا كثيرًا حتى صار من المناظرين من أصحابه (1) .

ثم انصرف من العراق إلى المدينة المنورة ليسأل بها أصحاب مالك - رضي الله عنه - عن المسائل التي تلقاها من محمد بن الحسن - رضي الله عنه - ولم يجد عندهم ما يطلبه، بل أشاروا إليه بالرحيل إلى أصحاب مالك بمصر فارتحل، ولما وصل إلى مصر قدم إلى عبد الله بن وهب، وقال له: هذه كتب أبي حنيفة - رضي الله عنه -. وسأله أن يجيب فيها على مذهب مالك فتورع ابن وهب وأبى (2) .

وقريب منه حصل له مع أشهب، فذهب إلى ابن القاسم فأجابه إلى ما طلب وصار يجيبه على أسئلته: السؤال تلو السؤال، حتى نفد ما لديه من الأسئلة وانقطع، مقتصرًا في أكثر ذلك على الإجابة بقول مالك - رضي الله عنه -، وما شك فيه قال: أظنه، وأخاله، وأجاب في بعضها برأيه على أصل قول مالك - رضي الله عنه -، حتى صار ما لديه من ذلك ستين كتابًا، مجموعة عنده ومدونه، فصار يطلق عليها اسم (( المدونة ) )، و (( كتب أسد ) )، و (( الأسدية ) )، ولم تكن مرتبة الأبواب والمسائل، فصار يطلق عليها أيضًا (( المُخْتلِطة ) )، وبعد اكتمال جمعها انتسخها منه أهل مصر، ثم حملها أسد راجعًا بها إلى القيروان، فنشرها هناك، وأخذها عنه الناس، وحصلت له بسبب ذلك رئاسة، وانتشر علمه في الآفاق (3) .

(1) ينظر: المصدر السابق ص 61-63، وغيره.

(2) ينظر: بلوغ الأماني ص16، وغيره.

(3) ينظر: منهج كتابة الفقه التجريدي ص64-65، وغيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت