إن الاجتهاد منصب شريف حتى قيل: إنه أفضل درجات العلم للعباد، فلا يحرمه أفضل الخلق وتناله أمّته، وأكثرية الثواب؛ لأكثرية المشقة.
أما قوله - جل جلاله -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (( 1) ، فإنه مخصص بسببه وهو نفي دعوى الكفار افتراءه القرآن، وحينئذ فالمراد بقوله: إن هو: القرآن؛ فينتفي العموم، وأيضًا: أن القول عن الاجتهاد ليس عن الهوى بل عن الأمر بالاجتهاد وحيًا، فيكون الاجتهاد وما يستند إليه وحيًا (2) .
المسألة الثانية: اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في عصره - صلى الله عليه وسلم:
ذهب الأكثر كمحمد بن الحسن والقاضي أبو الطيب والغزالي والآمدي والرازي إلى جواز اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في عصره مطلقًا سواء بحضرته أو غيبته - صلى الله عليه وسلم -، ووقوع هذا الاجتهاد على سبيل الظن كما اختاره الآمدي وابن الحاجب، وقال السبكي: لم يقل أحد أنه وقع قطعًا (3) .
واجتهادهم - رضي الله عنهم - في زمنه له ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يكون الصحابي غائبًا عن المدينة، مثاله:
(1) النحل، الآيتات 3-4.
(2) تفصيل مسألة اجتهاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - والاختلاف فيها وأدلة كل فريق في التحرير ص525-528، والتقرير والتحبير 3: 294-301، والمستصفى ص346-347، وغيرها.
(3) وفصَّل بعضُهم بين الحاضر والغائب, فقال: وقع للغائب دون الحاضر. واختاره القاضي والغزالي وابن الصباغ وإليه مال إمام الحرمين. وبه قال أكثر الفقهاء والمتكلمين، وقال عبد الوهاب: إن الأقوى على أصول أصحابهم.