إن تقليد العوام للعلماء المجتهدين بدأ من عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإرشاد من الشارع الحكيم قال - جل جلاله: (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (( 1) ، وقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - ببعث أصحابه إلى خارج المدينة وأرشدهم إلى الاجتهاد كما سبق ذكره في بعث معاذ - رضي الله عنه - وعلي - رضي الله عنه - إلى اليمن، واجتهادهم لا يكون إلا فيما لا نص فيه مما وقع لهم من حوادث ومسائل سئلوا عنها؛ ليقلدهم الناس فيها.
أضف إلى ذلك إقرار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لاجتهادات صحابته في المدينة وتقليد غيرهم لها كما سبق، قال سهل بن أبي حثمة - رضي الله عنه: كان الذي يفتون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار عمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت (2) .
المطلب الثالث: دعاوى وردها:
الأولى: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - تأثر بفقه أجنبي من هنا أو هناك.
ويجاب عنها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمي لم يجلس إلى معلم قط, وقد نشأ في أمة أمية لا عهد لها بالقانون الروماني أو غيره. نعم كانت هناك أعراف اصطلح عليها الناس, فحينا نجد أن بعض هذه الأعراف قد أقرها الشارع, وأحيانًا نجد أن الشارع قد أبطل هذه الأعراف: كعرف التبني وكعرف الظهار وبعض أنواع الأنكحة التي كانت معروفة عند العرب, وكالربا فقد كان معروفًا بينهم, إلى غير ذلك, ولا يستطيع أي إنسان ـ مهما كان مغاليًا في عدائه للإسلام ـ أن يدعي أن التشريع في هذا العهد قد تأثر بغيره من تشريعات الأمم السابقة (3) .
(1) النحل: من الآية43.
(2) ينظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص20، وغيره.
(3) ينظر: الموسوعة الفقهية الكويتية 1: 23-24، وغيرها.