السابع: مراعاتهم - رضي الله عنهم - لعلل النصوص وضوابطها ومخصّصاتها ومبيّناتها لا لظواهرها فحسب، فإنهم - رضي الله عنهم - عاشوا عصر التشريع مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفهموا الأحكام الشرعية على حقيقتها وكنهها، فطبقوها على مراد الشارع منها، ولا يكون إلا ذلك من الصحابة - رضي الله عنهم - لمن أنْزلهم منْزلتهم من العلم والتقوى والورع، فلا يليق بهم - رضي الله عنهم - أن يقدموا أفهام أنفسهم على أوامر الشارع، والمصلحة المبنيّة على العقل على مصلحة المشرع، ومَن ادّعى ذلك فقد جازف وضلّ عن سواء السبيل. ومن الأمثلة على ذلك:
إلغاء عمر - رضي الله عنه - لسهم المؤلفة قلوبهم، قال - جل جلاله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (( 1) ؛ لأن الله أناط الزكاة بثماني فئات من الناس منهم الذي تتألف قلوبهم من الداخلين حديثًا في الإسلام؛ لما فيه من استجلاب لقلوبهم، فعنى: (وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ(: أي الذين تستجلبون قلوبهم بالألفة والمودّة، فاستجلاب قلوبهم ليس حكمًا ثابتًا بالشرع، وإنما هو مناط لحكم علقه الله عليه، فكلما تحقق هذا المناط تحقق الحكم المتعلق به، وهو اعطاؤهم من الزكاة، وكلما فقد سقط ما علّق عليه، فوصف التعليق للقلب شأنه كوصف الفقر والعمل على جمع الزكاة والجهاد في سبيل الله في أنها هي مناط استحقاق الزكاة في تلك الأصناف لا أعيانهم المجردة.
فكان اجتهاد عمر - رضي الله عنه - معلقًا بتحقيق المناط ، فقد رأى أن الإسلام وصل شأنه إلى
(1) التوبة:60.