وما يهمنا هنا أن إمكانية الإجماع في عصر الصحابة - رضي الله عنهم - كانت متيسرة بخلاف غيره من العصور؛ لأن المجتهدين من الصحابة - رضي الله عنهم - معروفون ومشار إليهم بالبنان، وكان عمر ابن الخطاب - رضي الله عنه - حريص على إبقائهم في المدينة المنورة؛ لاستشارتهم.
الخامس: تحرِّيهم في قبول السنة، فليس كل من نسب شيئًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأخذون به دون أن ينظروا موافقته لغيره من نصوص الشرع العظيم، فمثلًا: قالت فاطمة بنت قيس رضي الله عنها: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فردّ عمر - رضي الله عنه: لا نترك كتاب الله وسنّة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت لها السكنى والنفقة، قال الله - جل جلاله: (لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (( 1) . (2)
السادس: حصول اختلاف بينهم في كثير من المسائل الفقهية دون إنكار منهم لذلك؛ لعلمهم أن لكل مجتهد نصيب ما دام من أهل الاجتهاد ويبتغي تحصيل حكم الله في المسألة، وكتب الفقه والحديث تطفح بخلافتهم - رضي الله عنهم - في ذلك، فمثلًا:
ذهب الخلفاء الأربعة وسعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل وحذيفة وابن مسعود - رضي الله عنهم - إلى القول بجواز المزارعة. وذهب ابن عباس - رضي الله عنه - إلى عدم جوازها (3) .
ذهب عمر - رضي الله عنه - ومعاوية - رضي الله عنه - إلى وقوع طلاق السكران، وذهب عثمان - رضي الله عنه - إلى عدم وقوعه (4) ، وهكذا.
(1) الطلاق: من الآية1.
(2) في صحيح مسلم 2: 1118، واللفظ له باختصار، وصحيح ابن حبان 10: 63، وجامع الترمذي 3: 484، وغيرها.
(3) ينظر: فقه سعيد بن المسيب 3: 107-108، وغيره.
(4) ينظر: فقه سعيد بن المسيب 3: 338-339، وغيره.