الصفحة 83 من 374

وأيضًا، فإن التابعين من محدثي الكوفة وفقهائها لم يكونوا يتلقون الحديث عن الصحابة - رضي الله عنهم - الموجودين في الكوفة فحسب، بل تلقوا الحديث من الصحابة - رضي الله عنهم - في الحجاز، ورحلوا طلبًا لذلك، فقد روى ابن سعد في (( طبقاته ) )أسماء مئتين واثنين من التابعين الكوفيين، الذي رووا عن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - في مكة والمدينة (1) .

وفيما سبق من كلام تفنيد لشبهة أخرى، وهي قلّة الرواية والحديث في عصر التابعين وأتباعهم واشتهار الرواية وكثرتها في عصر الإمام الشافعي والإمام أحمد - رضي الله عنهم -، وسيأتي زيادة تفصيل لذلك.

الثالثة: اشتهر إطلاق أهل الرأي على الحنفية؛ لبعدهم عن الأخذ بالأحاديث النبوية واعتمادهم على القياس، فتحقق فيهم الذم الوارد في الرأي.

والجواب عليها: بما ذكر في دور الصحابة - رضي الله عنهم - من توجيه الآثار الواردة في الرأي، أما (( تنزيل هذه الآثار في ذم: الرأي عن هوى؛ في فقه الفقهاء، وفي ردهم النوازل التي لا تنتهي إلى انتهاء تاريخ البشر، إلى المنصوص في كتاب الله، وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، إنما هو هوى بشع، تنبذه حجج الشرع.

وتخصيص الحنفية بهذا الاسم، لا يصح إلا بمعنى البراعة البالغة في الاستنباط، فالفقه حيثما كان يصحبه الرأي، سواء كان في المدينة أو في العراق، وطوائف الفقهاء كلهم إنما يختلفون في شروط الاجتهاد، بما لاح لهم من الدليل، وهم متفقون في الأخذ بالكتاب، والسنة، والإِجماع، والقياس، ولا يقتصرون على واحد منها.

(1) ينظر: الحركة الفقهية في بلاد الشام ص284 عن الطبقات الكبرى 6: 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت