فهرس الكتاب
وبانتقال عالم المدينة - رضي الله عنه - إلى الكوفة اجتمع علمه - رضي الله عنه - وعلم ابن مسعود - رضي الله عنه - لأهلها؛ إذ أن باب مدينة العلم، لم يكن بأقل عناية بالعلم من ابن مسعود - رضي الله عنه -، فوالى تفقيههم، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين، في كثرة فقهائها، ومحدثيها، والقائمين بعلوم القرآن، وعلوم اللغة العربية فيها، بعد أن اتخذها علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، عاصمة الخلافة، وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة - رضي الله عنهم - وفقهاؤهم، وبينما ترى محمد بن الربيع الجيزي - رضي الله عنه -، والسيوطي - رضي الله عنه - لا يستطيعان أن يذكرا من الصحابة - رضي الله عنهم - الذين نزلوا مصر إلا نحو ثلاثمئة صحابي، تجد العجلي يذكر أنه توطَّن الكوفة وحدها، من الصحابة، نحو ألف وخمسمئة صحابي، بينهم نحو سبعين بدريًا، سوى مَن أقام بها، ونشر العلم بين ربوعها، ثم انتقل إلى بلد آخر، فضلًا عن باقي بلاد العراق.
وقد قال مسروق التابعي الكبير - رضي الله عنه: (( وجدت علم أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ينتهي إلى ستة نصفهم أهل الكوفة(1) : إلى علي وعبد الله وعمر وزيد بن ثابت وأبي الدرداء وأبيّ ابن كعب، ثم وجدت علم هؤلاء الستة انتهى إلى عليّ، وعبد الله )).
وقال ابن جرير: (( لم يكن أحد له أصحاب معرفون، حرَّروا فتياه ومذاهبه في الفقه، غير ابن مسعود - رضي الله عنه -، وكان يترك مذهبه وقوله لقول عمر. وكان لا يكاد يخالفه في شيء من مذاهبه، ويرجع من قوله إلى قوله ) ).
وبهذا يكون حتى علم عمر - رضي الله عنه - قد غذيت به الكوفة وكان مستندًا لهم في فقههم، فإن كان ذلك يكون قد اجتمع لهم علم أصحاب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فحقّ لهم أن يبنوا لمن خلفهم هذا البنيان الفقهي الشامخ الذي بهروا به الأبصار.
(1) ينظر: طبقات الشيرازي 25، وغيره.