فهرس الكتاب
وأهل النقد يعدون مراسيل النخعي صحاحًا، بل يفضلون مراسيله على مسانيد نفسه (1) ، ويقول الأعمش: (( ما عرضت على إبراهيم حديثًا قط إلا وجدت عنده منه شيئًا ) )، وقال الأعمش أيضًا: (( كان إبراهيم صيرفي الحديث، فكنت إذا سمعت الحديث من بعض أصحابنا عرضته عليه ) )، وقال إسماعيل بن أبي خالد: (( كان الشعبي، وأبو الضحى، وإبراهيم، وأصحابنا يجتمعون في المسجد، فيتذاكرون الحديث، فإذا جاءتهم فتْيا، ليس عندهم منها شيء، رموا بأبصارهم إلى إبراهيم النخعي ) ). وقال ابن جبير: (( تستفتوني، وفيكم إبراهيم النخعي ) ).
وقال الأعمش - رضي الله عنه: (( ما رأيت إبراهيم يقول برأيه في شيء قط ) ) (2) . فعلى هذا يكون كلّ ما يروى عنه من الأقوال في أبواب الفقه، في (( آثار أبي يوسف ) )، و (( آثار محمد بن الحسن ) )، و (( المصنف ) )لابن أبي شيبة، وغيرها أثرًا من الآثار.
والحق أنه كان يروي ويرى، فإذا روى فهو الحجّة، وإذا رأى واجتهد، فهو البحر الذي لا تعكره الدّلاء؛ لتوفر أسباب الاجتهاد عنده بأكملها، بل هو القائل: (( لا يستقيم رأي إلا برواية، ولا رواية إلا برأي ) ) (3) ، وهي الطريقة المثلى في الأخذ بالحديث والرأي.
وعن الحسن بن عبيد الله النَّخعيّ، قال: قلت لإبراهيم - رضي الله عنه: (( أكلّ ما أسمعك تفتي به سمعته؟ فقال لي: لا، قلت: تفتي بما لم تسمع؟!، فقال: سمعت الذي سمعت، وجاءني ما لم أسمع، فقسته بالذي سمعت ) ) (4) . وهذا هو الفقه حقًا (5) .
الطبقة الرابعة: أصحاب أصحاب أصحابهم - رضي الله عنهم:
الحكم بن عيينة - رضي الله عنه - (ت115هـ) (6) ، قال يحيى بن أبي كثير - رضي الله عنه: لا أحد أفقه منه.
(1) نصّ على ذلك ابن عبد البر في التمهيد.
(2) في حلية الأولياء 4: 222، وغيره.
(3) في حلية الأولياء 4: 225، وغيره.
(4) في مقدمة نصب الراية ص308 عن الفقيه والمتفقه للخطيب.
(5) ينظر: مقدمة نصب الراية ص307-308، وغيرها.
(6) ينظر: طبقات الشيرازي ص83، وغيرها.