قال سفر الحوالي: (بعد أن انقسمت الأمة دويلات وهوت راية الخلافة الجامعة لهم، أصبحت كل طائفة أو جماعة؛ تمثل نفسها وتستقل بذمتها وبموقفها - حبا أو بغضا، حربا أو سلما، عهدا أو نبذا - ... وكذلك الجماعات؛ فكل جماعة حاربها عدو وحاربته ونبذت إليه على سواء، فلا عهد بينها وبينه، وإن لم يكن الحال كذلك بينه وبين سائر دول المسلمين وجماعاتهم، وهي وحدها تتحمل مسؤولية عهدها أو حربها، وربحها أو خسارتها، وقد لا يجب على غيرها من المسلمين نصرتها، لكن لا يجوز لهم قطعا نصرة الكافر عليها، وحادثة أبي بصير رضي الله عنه سابقة يمكن للفقهاء أن يستنبطوا منها وأن يفرعوا على ذلك ما شاء الله أن يستنبطوا ويفرعوا) .
وبعد أن ساق القصة من الصحيح قال:(ونستنتج من هذا؛
1)أن المقتول من المشركين كان رسولا، والرسل لا تقتل، كما هو ثابت معلوم، ومع ذلك لم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بصير رضي الله عنه قتله، ولا أمر فيه بقود ولا دية، وصدّق أبا بصير في قوله في الرواية الأخرى:"يا رسول الله ليس بيني وبينهم عهد ولا عقد"، فكان ذلك إقرارا له منه على ما فعل.
2)أن النبي صلى الله عليه وسلم حرض المسلمين على اللحاق بأبي بصير بقوله:"ويل أمه مسعر حرب لو كان له أحد"، وفي الرواية الأخرى؛"لو كان له رجال"، فزاد على إقراره تحريض غيره للحاق به) [38] اهـ.
وقال ابن القيم رحمه الله في الفوائد الفقهية لصلح الحديبية: (ومنها؛ أن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة، فحاربتهم وغنمت أموالهم، ولم يتحيزوا إلى الإمام، لم يجب على الإمام دفعهم عنهم ومنعهم منهم، وسواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين لم يكن عهدا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا؛ فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد، جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم و يغنم أموالهم إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه نصارى ملطية وسبيهم، مستدلا بقصة أبي بصير) [39] .
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله: (إذا علم من قصة أبي بصير فطلبت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرده إليهم بالشرط الذي كان بينهم في صلح الحديبية، فانفلت منهم حتى قتل المشركين الذين أتيا في طلبه، فرجع إلى الساحل لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛"ويل أمه! مسعر حرب لو كان معه غيره"، فتعرض لعير قريش إذا أقبلت من الشام، فاستقل بحربهم دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا معه في صلح) [40] .
وقال الجصاص رحمه الله: (إذا عقد الإمام عقدا بينه وبين قوم من الكفار؛ فلا محالة يدخل فيه من كان في حيزهم ممن ينسب إليهم بالرحم والحلف والولاء، بعد أن يكون في حيزهم ومن أهل نصرتهم، وأما من كان من قوم آخرين؛ فإنه لا يدخل في العهد ما لم يشرط ... كما دخلت بنو كنانة في عهد قريش) [41] .
وأجاب أحد فقهاء المغرب عن سؤال في هذا الموضوع فقال: (إنما استعمل"يجير على المسلمين أدناهم"إذا كان إمام المسلمين واحد وأمرهم مجتمع، فحينئذ يكون من أجار أهل الحرب لزم جواره ذلك سائر المسلمين في الكف عن قتالهم وقتلهم وسبيهم، وأما مع تفرق الملوك والدول واختلاف الكلمة؛ فلا، وإنما يلزم الجوار أهل الإقليم الذين أجاروا، ولا يلزم أهل الأندلس جوار أهل الشام ومصر) [42] .
وقال عبد القادر عودة رحمه الله: (وأهل الحرب لهم جنسية واحدة، مهما تعددت بلادهم وحكوماتهم ... على أن الشريعة لا تمنع من النظر إلى الدول الأجنبية المختلفة كل واحدة بحسب ظروفها، فيجوز - مثلا - أن تكون بين المسلمين وبين الإنجليز؛ حرب، وأن يكون بين المسلمين وبين الفرنسيين؛ عهد أو هدنة) [43] .
[38] مجلة العصر، من موقع بالأنترنت.
[39] الزاد: 3/ 309.
[40] الدرر: 8/ 199 - 200.
[41] أحكام القرآن: 2/ 280.
[42] المعيار المعرب: 2/ 115.
[43] التشريع الجنائي: 1/ 307 - 308.