الصفحة 5 من 13

اعلم أن أساس تقسيم العالم إلى دارين - دار إسلام ودار كفر - هو عموم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة، عموما مكانيا لجميع أهل الأرض، وعموما زمنيا من وقت بعثته صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، ومع عموم بعثته صلى الله عليه وسلم انقسم الخلق إلى مؤمن به وكافر.

ثم فرض الله تعالى على المؤمنين الهجرة من بين الكافرين، وقيض الله لهم أنصارا بالمدينة، فكانت هي دار الهجرة ومجتمع المهاجرين، وبها أنشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام ... ثم ظلت فريضة الهجرة على كل مسلم يقيم بين الكافرين، فتميزت الديار بذلك إلى دار الإسلام - وهي مجتمع المسلمين وموضع سلطانهم وحكمهم - ودار الكفر - وهي مجتمع الكافرين وموضع سلطانهم وحكمهم - ثم فرض الله على المسلمين قتال الكفار إلى قيام الساعة، فسميت دارهم أيضا"دار الحرب".

دار الإسلام؛ هي البلاد الخاضعة لسلطان المسلمين وحكمهم، ودار الكفر؛ هي البلاد الخاضعة لسلطان الكافرين وحكمهم.

وإليك أقوال العلماء في هذا:

قال ابن القيم عليه رحمة الله: (قال الجمهور؛ دار الإسلام هي التي نزلها المسلمون وجرت عليها أحكام الإسلام، وما لم تجري عليه أحكام الإسلام لم يكن دار إسلام وإن لاصقها، فهذه الطائف قريبة إلى مكة جدا ولم تصر دار إسلام بفتح مكة) [18] .

وقال الإمام السرخسي رحمه الله:(عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ إنما تصير دارهم دار حرب بثلاث شرائط.

أحدها؛ أن تكون متاخمة لدار الشرك ليس بينها وبين أرض الحرب دار المسلمين.

والثاني؛ ألا يبقى فيها مسلم آمن بإيمانه ولا ذمي آمن بأمانه.

والثالث؛ أن يظهروا أحكام الشرك فيها.

وعن أبي يوسف ومحمد رحمهم الله تعالى؛ إذا أظهروا أحكام الشرك فيها فقد صارت دارهم دار حرب، لأن البقعة إنما تنسب إلينا أو إليهم باعتبار القوة والغلبة، وكل موضع ظهر فيه حكم الشرك؛ فالقوة في ذلك الموضع للمشركين) [19] .

وانتقد ابن قدامة الحنبلي شروط أبي حنيفة، فقال رحمه الله - بعد ذكر شروط أبي حنيفة-: (ولنا أنها دار كفار فيها أحكامهم، فكانت دار حرب) [20] .

فجعل ابن قدامة مناط الحكم على الدار؛ نوع الأحكام الجارية فيها، وللإمام السرخسي مثله في كتاب"السير الكبير" [21] ، ولأبي يعلى الحنبلي كذلك في كتاب"المعتمد في أصول الدين" [22] .

وقد تضمنت أقوال العلماء ذكر سببين للحكم على الدار، الأول؛ القوة والغلبة والثاني؛ نوع الأحكام المطبقة فيها، ولا تناقض بين السببين، لأن الغلبة والأحكام؛ قرينان، فلا يكون المتغلب متغلبا إلا إذا كان هو صاحب الأمر والنهي [23] .

قال عبد القادر عودة رحمه الله: (تعتبر دار للإسلام كل البلاد التي فيها سلطان للمسلمين سواء كان المسلمون فيها أغلبية أو أقلية ... وكل الأماكن التي يسكنها مسلمون يستطيعون أن يظهروا فيها أحكام الإسلام ولا يمنعهم من ذلك مانع، ويدخل في دار الإسلام كل ما يتبعها من جبال وصحار وانهار وبحيرات وأراض وجزر وما فوق هذه جميعا من طبقات الجو، مهما ارتفعت، ويعتبر في حكم دار الإسلام كل مكان في دار الحرب يعسكر فيه الجيش الإسلامي) [24] .

[18] أحكام أهل الذمة: 01/ 366.

[19] المبسوط: 10/ 144.

[20] المغني: 10/ 95.

[22] ص 276.

[23] راجع الجامع في طلب العلم الشريف: 2/ 638، وما بعدها.

[24] التشريع الجنائي: 1/ 295.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت