الصفحة 3 من 13

إذا تقرر عندنا أن جهاد الكفار واجب شرعا - طلبا ودفعا - فلا يعني ذلك أن يلقي أهل الإسلام أنفسهم إلى التهلكة بإعلان الحرب طلبا، مع عدم تكافئ الطرفين عددا وعدة، وإنما لكل حال حكمها كما نص الفقهاء رحمهم الله، مع العلم أنه إذا هاجمنا العدو؛ وجب على كل مسلم دفعه بحسب الإمكان - كما سيأتي -

قال صديق حسن خان رحمه الله: (وما ورد في موادعتهم أو في تركهم إذا تركوا المقاتلة، فذلك منسوخ باتفاق المسلمين بما ورد من إيجاب المقاتلة لهم على كل حال مع ظهور القدرة عليهم والتمكن من حربهم وقصدهم إلى ديارهم) [10] .

قوله: (فذلك منسوخ باتفاق المسلمين) ، وهذا الكلام يفهم منه أن الأمرين منسوخان، يعني موادعتهم وتركهم إذا تركوا المقاتلة، وليس كذلك، لأن الموادعة باقية غير منسوخة، وأكثر أهل العلم يجيزونها في حالة ضعف المسلمين، أما الثاني؛ وهو تركهم إذا تركوا المقاتلة، هو الذي نسخ بآيات السيف وصار لا يقبل من كافر إلا الإسلام أو الجزية.

قال الجصاص رحمه الله: (فالحال التي أمر فيها بالمسالمة؛ هي حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم، والحال التي أمر فيها بقتل المشركين وقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية هي حال كثرة المسلمين وقوتهم على عدوهم) [11] .

وقال ابن تيمية رحمه الله: (والمصلحة في ذلك تتنوع، فتارة تكون المصلحة الشرعية القتال، وتارة تكون المصلحة المهادنة، وتارة تكون المصلحة الإمساك والإستعداد بلا مهادنة) [12] .

وقال رشيد رضا رحمه الله: ( ... والإنسان لا يتم له نظام في معيشته ولا هناء ولا راحة إلا بالأمنين كليهما - الأمن الداخلي والأمن الخارجي - فلما أرشدنا الله إلى ما به أمننا الداخلي أرشدنا إلى ما به أمننا مع الخارجين عنا المخالفين لنا في ديننا، وذلك إما بمعاهدات بيننا وبينهم، نطمئن بها على ديننا وأنفسنا ومصالحنا، وإما باتقاء شرهم بالقوة) [13] .

وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات وغير ذلك؛ فإنه يفعل منه بحسب الإستطاعة، فإذا لم يقدر المسلم على جهاد جميع المشركين فإنه يجاهد على من يقدر على جهاده ... فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقيلها، فالقليل من الخير خير من تركه، ودفع بعض الشر خير من تركه كله) [14] .

وقال أبو المعالي الجويني رحمه الله: (المختار عندي مسلك الأصوليين، فإنهم قالوا الجهاد دعوة قهرية، فيجب إقامته بحسب الإمكان حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم) [15] .

[10] الروضة الندية: 2/ 333.

[11] أحكام القرآن: 3/ 69.

[12] المجموع: 15/ 174.

[13] تفسير المنار: 5/ 249 - 250.

[14] المجموع: 15/ 312 - 313.

[15] نقلا من مشارع الأشواق، لابن النحاس: 1/ 98 - 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت