الصفحة 2 من 13

الشريعة الإسلامية شريعة عالمية، تخاطب كل الناس في كل زمان وكل مكان، {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} ، والله تعالى أمر من آمن به أن يجاهد من كفر به؛ {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ، هذا ما استقر عليه حكم الجهاد في الإسلام ...

قال صديق حسن خان رحمه الله: (وأما غزو الكفار ومناجزة أهل الكفر وحملهم على الإسلام أو تسليم الجزية؛ فهو معلوم من الضرورة الدينية، ولأجله بعث الله تعالى رسله وأنزل كتبه، وما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم - منذ بعثه الله سبحانه إلى أن قبضه الله إليه - جاعلا هذا الأمر من أعظم مقاصده ومن أهم شؤونه، وأدلة الكتاب والسنة لا يتسع لها المقام ولا لبعضها ... ) [1] .

قال ابن تيمية رحمه الله: (وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا، فمن امتنع من هذا قوتل؛ باتفاق المسلمين، وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة - كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمن ونحوهم - فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يُقاتِل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالا للمسلمين، والأول هو الصواب، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار دين الله كما قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ... } ) [2] .

وقال الشنقيطي رحمه الله: (قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا} ، هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم، وقد جاءت آيات أخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقا - قاتلوا أو لم يقاتلوا - كقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ، وقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ... } ، والجواب عن هذا بأمور، الأول وهو أحسنها وأقربها؛ أن المراد بقوله: {الذين يقاتلونكم} تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداءكم الذين يقاتلونكم، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة ... } ، وخير ما يفسر به القرآن القرآن) [3] .

وجاء في"الفتاوى الهندية": (أن قتال الكفار الذين لم يسلموا وهم من مشركي العرب أو لم يسلموا ولم يعطوا الجزية من غيرهم؛ واجب وإن لم يبدؤونا) - كذا في"فتح القدير"-

وقال ابن عثيمين رحمه الله: (قوله صلى الله عليه وسلم؛"قاتلوا من كفر بالله"،"قاتلوا"؛ فعل أمر وهو للوجوب، أي يجب علينا أن نقاتل من كفر بالله ... ومَن اسم موصول وصلته،"كَفَرَ"؛ واسم الموصول وصلته تفيد العلية أي لكفره، فنحن لا نقاتل الناس عصبية أو قومية أو وطنية، نقاتلهم لكفرهم، لمصلحتهم؛ وهي إنقاذهم من النار) [4] .

وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فكل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم - أي دين الله الذي بعثه الله به - فلم يستجب له، فإنه يجب قتاله، {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ) [5] .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: ( {وقاتلوهم} للكفار، فأمر المؤمنين بقتال الكافرين حتى لا يبقى أحد يفتن عن دين الإسلام ويرتد إلى الكفر) [6] .

وقال ابن رشد رحمه الله: (وإنما يقاتل الكفار على الدين ليدخلوا من الكفر إلى الإسلام، لا على الغلبة، فينبغي للمجاهد أن يعقد نيته؛ أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا ابتغاء ثواب الله) [7] .

وقال ابن حجر: (والتحقيق أيضا؛ أن جنس جهاد الكفار متعين على كل مسلم، إما بيده وإما بماله وإما بقلبه، والله أعلم) [8] .

فائدة:

قال عبد القادر بن عبد العزيز حفظه الله:(ومن الأقوال الفاسدة للمعاصرين، القول؛ بأن الأصل في علاقة دار الإسلام مع بلاد الكفار السلم، وأن الجهاد في الإسلام لا يشرع إلا للدفاع.

وهذا القول فيه إنكار للمعلوم من الدين بالضرورة ... وأراد أصحاب هذا القول بيان أن الإسلام يتفق مع القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة - وهي شرائع طاغوتية - في تحريم الحرب الهجومية وتحريم الإستلاء على أراضي الغير بالقوة، فهل الإسلام يحرم هذا؟ هل الإسلام حرم جهاد الطلب الذي يسمونه بالحرب الهجومية؟ والله تعالى يقول: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ، وهل الإسلام يحرم الإستلاء على أراضي الغير بالقوة والله تعالى يقول: {وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها} ... ألم تر أن الأمم المتحدة هي التي منحت إسرائيل أرض فلسطين بقرار التقسيم في 1947م ثم بقرار الهدنة في 1948م مكنت لإسرائيل من التهام المزيد من الأرض ... ثم التهمت إسرائيل المزيد من أرض فلسطين بالقوة في حرب عام 1967م تحت سمع العالم وبصره؟

إن القوانين الدولية لا تطبق إلا على الضعفاء، أما الأقوياء فلهم قوانين أخرى، هي قوانين فرض الأمر الواقع بالقوة ... ولا يجدي مع هؤلاء الكفرة الأنجاس إلا القوة، وقد أخبرنا الله بذلك بأوجز بيان وأوضح عبارة، فقال جل شأنه: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ... } ) [9] .

[1] الروضة الندية: 2/ 333.

[2] مجموع الفتاوى: 28/ 354.

[3] أضواء البيان: 10/ 27.

[4] القول المفيد على كتاب التوحيد: 641.

[5] المجموع: 28/ 349.

[6] فتح الباري: 13/ 47.

[7] شرح التاج والإكليل لمختصر خليل، للمواق المالكي.

[8] فتح الباري: 6/ 37 - 38.

[9] الجامع في طلب العلم الشريف: 2/ 888، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت