الأمان هو ضد الخوف، مصدر أمن أمنا وأمانا، والأصل فيه قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} .
وقوله صلى الله عليه وسلم: (ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم) [32] .
ويحرم به - أي الأمان - قتل ورق وأسر وأخذ مال والتعرض لهم لعصمتهم به [33] .
قال ابن قدامة رحمه الله: (وجملته؛ أن الأمان إذا أعطي أهل الحرب حرم قتلهم والتعرض لهم، ويصح من كل مسلم بالغ عاقل مختار، ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا، وبهذا قال الثوري والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن القاسم وأكثر أهل العلم ... ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم"... ) [34] .
وقال [35] : (ولا يصح أمان كافر - وإن كان ذميا - لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ذمة المسلمين واحدة"، فلا تحصل لغيرهم، ولأنه متهم على الإسلام وأهله، فأشبه الحربي. اهـ. وكذا ذكر المرداوي في"الإنصاف"، أما أمان المرتد؛ فلا يصح) [36] .
قال ابن قدامة رحمه الله: (وتصرفات المرتد في ردته بالبيع والهبة والعتق والتدبير والوصية ونحو ذلك؛ موقوف، إن أسلم تبينا أن تصرفه كان صحيحا، وإن قتل أو مات على ردته كان باطلا، وهو قول أبي حنيفة، وعلى قول أبي بكر؛ تصرفه باطل، لأن ملكه قد زال بردته، وهذا أحد أقوال الشافعي، وقال في الآخر؛ إن تصرف قبل الحجر عليه انبنى على الأقوال الثلاثة، وإن تصرف بعد الحجر عليه لم يصح تصرفه كالسفيه ... ) .
ثم قال: (وإن تزوج؛ لم يصح تزوجه لأنه لا يقر على النكاح، وما منع الإقرار على النكاح منع انعقاده كنكاح الكافر المسلمة، وإن زوج لم يصح تزويجه، لأن ولايته على موليته قد زالت بردته، وإن زوج أمته لم يصح، لأن النكاح لا يكون موقوفا، ولأن النكاح وإن كان في الأمة فلا بد في عقده من ولاية صحيحة) [37] .
وللعلم فإن الحكومات القائمة اليوم؛ مرتدة، لا ولاية لها صحيحة على المسلمين:
إما باعتبار الشرع؛ لأنها مرتدة لتلبسها بناقض الحكم بغير ما أنزل الله.
وإما باعتبار ديمقراطيتهم الكافرة؛ لأنهم استولوا على الحكم بالقوة من غير رضى الأمة.
وإذا كان عقد الزواج لا يصح من مرتد، فكيف يصح حكمه وتصرفه في أموال المسلمين وأبضاعهم بحكم الكفر؟! وقد ألحقنا عقد الأمان بعقد النكاح بجامع كونهما عقدا، والعقد لا بد له من ولاية صحيحة - كما نص ابن قدامة -
وبالجملة؛ فقد تقدم أنّ أمان الكافر لا يصح، والمرتد من جملة الكفار، بل هو شر من الكافر الأصلي، فما لم يصح في جانب النكاح المشار إليه فكذلك في الأمان وسائر العقود، فإذا زالت ولايته على أهله وأَمَتِهِ وماله، فلئن تزول عن دماء وأموال وأعراض المسلمين من باب أولى ... فتدبّر.
[32] متفق عليه.
[33] كشاف القناع على متن الإقناع.
[34] المغني: 10/ 432 - 433.
[35] ص 434.
[36] لأنّه شر من الكافر الأصلي من وجوه متعددة، لخصّها شيخ الإسلام بقوله: (وقد استقرت السنّة بأنّ عقوبة المرتد أعظم من عقوبة الكافر الأصلي من وجوه متعددة، منها؛ أنّ المرتدّ يقتل بكل حال، ولا يضرب عليه جزية، ولا تعقد له ذمّة، بخلاف الكافر الأصلي، ومنها؛ أنّ المرتدّ يقتل وإن كان عاجزا عن القتال، بخلاف الكافر الأصلي الذي ليس هو من أهل القتال، فإنّه لا يقتل عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة ومالك وأحمد، ولهذا كان مذهب الجمهور؛ أن المرتدّ يقتل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد، ومنها؛ أنّ المرتدّ لا يرث ولا يناكح ولا تؤكل ذبيحته بخلاف الكافر الأصلي، إلى غير ذلك من الأحكام) [مجموع الفتاوى: 28/ 291] .
[37] المغني.