سبق تقرير؛ أن أمان المرتد والكافر لا يصح ولا يجب الوفاء به، كما أوضحنا أن أمان جماعة أو دولة مع تفرق كلمة المسلمين لا يلزم إلا من كان تحت سلطان الملك المعاهد ... لكن على فرض صحة هذه العهود، فلها نواقض، منها؛ حرب المسلمين ومظاهرة من يحاربهم عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد الفقهية لفتح مكة: (وفيها؛ أن أهل العقد إذا حاربوا من هم في ذمة الإمام وجواره وعهده؛ صاروا حربا له بذلك، ولم يبق بينهم وبينه عهد، فله أن يبيتهم في ديارهم، ولا يحتاج أن يعلمهم على سواء، وإنما يكون الإعلام إذا خاف منهم الخيانة، فإذا تحققها؛ صاروا نابذين لعهدهم، وفيها انتقاض عهد جميعهم إذا رضوا بذلك ولم ينكروه، وطرد هذا جريان هذا الحكم على ناقض العهد من أهل الذمة إذا رضي جماعتهم، وإن لم يباشر كل واحد منهم ما ينقض عهده) [44] .
وقال ابن قدامة رحمه الله:(وإذا استعان أهل البغي بالكفار فلا يخلو من ثلاثة أصناف:
أحدهم أهل الحرب؛ فإذا استعانوا بهم وأمنوهم وعقدوا لهم ذمة، لم يصح واحد منهما، لأن الأمان من شرط صحته؛ إلزام كفهم عن المسلمين، وهؤلاء يشترطون عليهم قتال المسلمين، فلا يصح، ولأهل العدل قتالهم كمن لم يؤمنوه سواء، وحكم أسيرهم حكم سائر أهل الحرب قبل الإستعانة.
الثاني المستأمنون؛ فمتى استعانوا بهم فأعانوهم، نقضوا عهدهم، وصاروا كأهل الحرب، لأنهم تركوا الشرط وهو كفهم عن المسلمين ... وإن ادعوا الإكراه لم يقبل قولهم إلا ببينة، لأن الأصل عدمه) [45] .
وأهل البغي - كما نص العلماء - مسلمون، وأحكامهم نافذة ما لم تخالف الشريعة.
أما أهل الردة؛ فعقودهم باطلة - كما سبق بيانه - وإذا ذكر ابن قدامة رحمه الله؛"أن أمان أهل البغي لأهل الحرب بشرط قتال أهل العدل؛ فاسد"، لا يلزم أهل العدل؛ علم أن من يستعان به من الكفار في الأمور العسكرية لا أمان له صحيح، لأنه إنما جاء لمحاربة المجاهدين - أهل العدل - وأما كلامه عن المستأمنين؛ فذلك على فرض أن أهل العدل أمنوهم.
وقال سحنون: (إن أُمن حربي بان أنه عين، فللإمام قتله واسترقاقه، إلا أن يسلم ولا يخمس - وقال - اللخمي: وإن علم من ذمي عندنا أنه عين لهم يكاتبهم بأمر المسلمين؛ فلا عهد له، قال سحنون: يقتل نكالا، إلا أن يرى الإمام استرقاقه) [46] .
[44] الزاد: 3/ 424.
[45] المغني: 10/ 71.
[46] شرح التاج والإكليل.