الصفحة 1029 من 1282

وزير أوثقوه ، أو بلد ونازلوا حصنه أرسلوا على دار المغضوب عليه أو حصنه الفيل ، فنطح برأسه ونابه الصرح فيدكه ، وقواعد البنيان فيهدمها ؛ فيكون أمضى من معاول وفؤوس ، وأعظم رعبًا ورهبة في النفوس ، وربما ألقوا المسخوط عليه بين يديه ، فأعمل فيه نابه ، ولف عليه خرطومه وشاله ، ومثَّل به تمثيلًا كان أشد بطشًا وتنكيلًا . وقد حدثني بغرائب هذه الفظائع الجاهلية بعض آل ملوك الأفغان لما أقام مدة بالشام .

الثالث: قال القاشانيّ: قصة أصحاب الفيل مشهورة ، وواقعتهم قريبة من عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي إحدى آيات الله ، وأثر من سخطه على من اجترأ عليه بهتك حرمه ، وإلهام الطيور والوحوش أقرب من إلهام الْإِنْسَاْن لكون نفوسهم ساذجة . وتأثير الأحجار بخاصية أودعها الله تعالى فيها ليس بمستنكر . ومن اطلع على عالم القدرة ، وكشف له حجاب الحكمة ، عرف لمية أمثال هذه .

قال: وقد وقع في زماننا مثلها من استيلاء الفأر على مدينة أبيورد وإفساد زروعهم ورجوعها في البرية إلى شط جيحون ، وأخذ كل واحدة منها خشبة من الأيكة التي على شط نهرها وركوبها عليها وعبورها بها من النهر .

الرابع: قال الإمام الماوردي في"أعلام النبوة": آيات الملك باهرة ، وشواهد النبوات قاهرة ، تشهد مباديها بالعواقب فلا يلتبس بها كذب بصدق ، ولا منتحل بمحق ، وبحسب قوتها وانتشارها يكون بشائرها وإنذارها . ولما دنا مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقاطرت آيات نبوته وظهرت آيات بركته ، فكان من أعظمها شأنًا ، وأظهرها برهانًا ، وأشهرها عيانًا وبيانًا أصحاب الفيل ، أنقذهم النجاشي من أرض الحبشة في جمهور جيشه على مكة لقتل رجالها وسبي ذراريها وهدم الكعبة . وآية الرسول في قصة الفيل أنه كان في زمانها حملًا في بطن أمه بمكة ؛ لأنه ولد بعد خمسين يومًا من الفيل ، فكانت آيته في ذلك من وجهين:

أحدهما: أنهم لو ظفروا لسبوا واسترقوا ؛ فأهلكهم الله تعالى لصيانة رسوله أن يجري عليه السبي حملًا ووليدًا . والثاني: أنه لم يكن لقريش من التأله ما يستحقون به دفع أصحاب الفيل عنهم ، وما هم أهل كتاب لأنهم كانوا بين عابد صنم أو متدين وثن أو قائل بالزندقة أو مانع من الرجعة ، ولكن لما أراده الله تعالى من ظهور الإسلام تأسيسًا للنبوة وتعظيمًا للكعبة ، وأن يجعلها قبلة للصلاة ومنسكًا للحج .

فإن قيل: فكيف منع عن الكعبة قبله مصيرها قبلة ومنسكًا ، ولم يمنع الحَجَّاج من هدمها وقد صارت قبلة ومنسكًا حتى أحرقها ونصب المنجنيق عليها ؟

قيل: فعل الحَجاج كان بعد استقرار الدِّين ، فاستغنى عن آيات تأسيسه ، وأصحاب الفيل كانوا قبل ظهور النبوة فجعل المنع منها آية لتأسيس البنوة ومجيء الرسالة ، على أن الرسول < قد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت