فهرس الكتاب
لجلب العطور والبهارات الآتية من الهند والخليج ، وكونها في الشتاء لأنها بلاد حارّة ، ورحلة إلى الشام في الصيف ، لجلب الحبوب الزراعية ، وكونها في الصيف لأنها بلاد باردة ، وكانت قريش في مكة تعيش بالتجارة ، ولولا هاتان الرحلتان لم يتمكنوا من المقام بها ، ولولا الأمن بجوار البيت ، لم يقدروا على التصرف ، وكانوا لا يغار عليهم لأن العرب يقولون: قريش أهل بيت اللَّه عز وجل. وكل هذا الاحترام والإجلال لقريش أهل مكة من اللَّه عز وجل الذي هيأه لهم بواسطة البيت الحرام ، فكان عليهم الإقرار بهذه النعمة ، وإفراد اللَّه بالعبادة والتعظيم.
وصريح محمد بن إسحاق وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن هذه السورة متعلقة بما قبلها لأن المعنى عندهما: حبسنا عن مكة الفيل ، وأهلكنا أهله لإيلاف قريش ، أي لائتلافهم واجتماعهم في بلدهم آمنين.
وعلى كل حال فهاتان نعمتان: نعمة صد أصحاب الفيل ، ونعمة جوار البيت الحرام والائتلاف فيه ، فإن لم يعبدوا اللَّه لسائر نعمه ، فليعبدوه لهاتين النعمتين. وقد عرّفهم سبحانه بأنه ربّ هذا البيت ، بالرغم من أوثانهم التي يعبدونها حول الكعبة ، فميّز نفسه عنها ، وبالبيت تشرفوا على سائر العرب ، وهم يدركون هذا ويقرّون به. وكانت الإشارة إلى البيت في السورة لإفادة التعظيم.
قال الرازي رحمه اللَّه عند قوله تعالى: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ: اعلم أن الإنعام على قسمين: أحدهما- دفع الضرر ، والثاني- جلب النفع ، والأول أهم وأقدم ، ولذلك قالوا: دفع الضرر عن النفس واجب ، أما جلب النفع ، فإنه غير واجب ، فلهذا السبب بيّن اللَّه تعالى نعمة دفع الضرر في سورة الفيل ، ونعمة جلب النفع في هذه السورة ، ونظرا لهاتين النعمتين العظيمتين أمرهم ربهم بعبادته والعبودية له وأداء الشكر على ذلك: لْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ [1] .
والعبادة: هي التذلل والخضوع للمعبود على غاية ما يكون ، وهي تحقق معنى العبودية.
ثم ذكر اللَّه تعالى نعما أخرى على قريش ، وصف بهما رب هذا البيت ، فقال: - الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ أي هو ربّ البيت ، وهو الذي أطعمهم من جوع ووسّع لهم في الرزق ويسّر لهم سبيله ، بسبب هاتين الرحلتين ، فخلّصهم من جوع شديد كانوا فيه قبلهما.
-وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ أي وتفضل عليهم بالأمن والاستقرار ، فليفردوه بالعبادة وحده لا شريك له ، ولا يعبدوا من دونه صنما ولا ندا ولا وثنا ، قال ابن كثير: ولهذا من استجاب لهذا الأمر ، جمع اللَّه له بين أمن الدنيا وأمن الآخرة.
(1) - تفسير الرازي: 32/ 107