الصفحة 1085 من 1282

عَنِ الضَّحَّاكِ ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ قَالَ: صَلِّ لِرَبِّكَ وَسَلْ"وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَتَأَوَّلُ قَوْلَهُ: وَانْحَرْ وَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ بِنَحْرِكَ . وَذُكِرَ أَنَّهُ سُمِعَ بَعْضُ الْعَرَبِ يَقُولُ: مَنَازِلُهُمْ تَتَنَاحَرُ: أَيْ هَذَا بِنَحْرِ هَذَا: أَيْ قُبَالَتَهُ . وَذُكِرَ أَنَّ بَعْضَ بَنِي أَسَدٍ أَنْشَدَهُ:"

أَبَا حَكَمٍ هَلْ أَنْتَ عَمُّ مُجَالِدٍ وَسَيِّدُ أَهْلِ الْأَبْطَحِ الْمُتَنَاحِرِ

أَيْ يَنْحَرُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ عِنْدِي بِالصَّوَابِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَاجْعَلْ صَلَاتَكْ كُلَّهَا لِرَبِّكَ خَالِصًا دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ ، وَكَذَلِكَ نَحْرُكَ اجْعَلْهُ لَهُ دُونَ الْأَوْثَانِ ، شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكَ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالْخَيْرِ الَّذِي لَا كُفْءَ لَهُ ، وَخَصَّكَ بِهِ ، مِنْ إِعْطَائِهِ إِيَّاكَ الْكَوْثَرَ . وَإِنَّمَا قُلْتُ: ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَخْبَرَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ مِنْ عَطِيَّتِهِ وَكَرَامَتِهِ ، وَإِنْعَامِهِ عَلَيْهِ بِالْكَوْثَرِ ، ثُمَّ أَتْبَعَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّهُ خَصَّهُ بِالصَّلَاةِ لَهُ ، وَالنَّحْرِ عَلَى الشُّكْرِ لَهُ ، عَلَى مَا أَعْلَمَهُ مِنَ النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ ، بِإِعْطَائِهِ إِيَّاهُ الْكَوْثَرَ ، فَلَمْ يَكُنْ لِخُصُوصِ بَعْضِ الصَّلَاةِ بِذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ ، وَبَعْضِ النَّحْرِ دُونَ بَعْضٍ وَجْهٌ ، إِذْ كَانَ حَثًّا عَلَى الشُّكْرِ عَلَى النِّعَمِ . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ الْكَوْثَرَ ، إِنْعَامًا مِنَّا عَلَيْكَ بِهِ ، وَتَكْرُمَةً مِنَّا لَكَ ، فَأَخْلِصْ لِرَبِّكَ الْعِبَادَةَ ، وَأَفْرِدْ لَهُ صَلَاتَكَ وَنُسُكَكَ ، خِلَافًا لِمَا يَفْعَلُهُ مَنْ كَفَرَ بِهِ ، وَعَبَدَ غَيْرَهُ ، وَنَحَرَ لِلْأَوْثَانِ" [1] "

إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ أي إن مبغضك يا محمد ، ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع عن خيري الدنيا والآخرة ، والذي لا يبقى ذكره بعد موته. وهذا رد على ما قال بعض المشركين وهو العاص بن وائل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات ابنه عبد اللَّه من خديجة: إنه أبتر ، وهذا قول ابن عباس ومقاتل والكلبي وعامة أهل التفسير.

والأبتر من الرجال: الذي لا ولد له. وعن ابن عباس: نزلت في أبي جهل.

وهذا يعم جميع من اتصف بعداوة النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن ذكر في سبب النزول وغيرهم. [2]

ومضات:

قال ابن كثير: والآية تعم جميع من اتصف بذلك ، ممن ذكر وغيرهم .

وقال الإمام: كان المستهزئون من قريش كالعاص بن وائل وعقبة بن أبي معيط وأبي لهب وأمثالهم ، إذا رأوا أبناء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يموتون ، يقولون: بتر محمد ، أي: لم يبق له ذكر في أولاده من بعده ، ويعدون ذلك عيبًا يلمزونه به وينفرون به الناس من أتباعه ، وكانوا إذا رأوا

(1) - جَامِعُ الْبَيَانِ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ لِلطَّبَرِيِّ (35467 )

(2) - انظر تفسير الشيخ المراغى ـ موافقا للمطبوع - (30 / 253)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت