وفي الآية دلالة على أن الملائكة وجبريل عليهم السلام أعظم المخلوقات قدرا ومكانة ، وعلى عظمة يوم القيامة ورهبته.
ثم أخبر اللّه تعالى بأن يوم القيامة حق لا ريب فيه ، فقال: ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ ، فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآبًا أي إن ذلك اليوم الذي تقوم فيه الملائكة على تلك الصفة هو اليوم الثابت ، الكائن الواقع المتحقق الذي لا ريب فيه ، فمن أراد النجاة فيه ، اتخذ إلى ثواب ربّه مرجعا وطريقا يهتدي إليه ، ويقرّبه منه ، ويدنيه من كرامته ، ويباعده عن عقابه ، بالإيمان الحق والعمل الصالح.
ثم عاد اللّه تعالى إلى تهديد الكفار وتحذيرهم وتخويفهم من ذلك اليوم ، فقال:إنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذابًا قَرِيبًا ، يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ ، وَيَقُولُ الْكافِرُ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرابًا أي إننا يا أهل مكة وأمثالكم من الكفار حذّرناكم وخوّفناكم عذابا قريب الوقوع وهو يوم القيامة فإنه لتأكد وقوعه صار قريبا ، ولأن كل ما هو آت قريب ، كما قال تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [النازعات 79/ 46] . وفي هذا اليوم القريب ينظر كل امرئ ما قدّم من خير أو شرّ في حياته الأولى في الدنيا ، كما جاء في قوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا ، وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ ، تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران 3/ 30] .
ويقول الكافر من شدة ما يعانيه من أنواع الأهوال والعذاب ، مثل أبيّ بن خلف وعقبة بن أبي معيط وأبي جهل وأبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي: ليتني كنت ترابا ، فهو يتمنى إن لم يكن إنسانا يبعث ، وإنما كان ترابا ، ويتمنى أن يصير ترابا كالحيوانات بعد الاقتصاص من بعضها لبعض ، وقد ورد معنى هذا في حديث الصور المشهور ، وورد فيه آثار عن أبي هريرة وعبد اللّه بن عمرو وغيرهما ، كما ذكر ابن كثير ، ومضمون تلك الأخبار: أن البهائم تحشر ، فيقتصّ للجمّاء من القرناء ، ثم تردّ ترابا ، فيودّ الكافر حالها ليتخلص من العذاب.
والآيتان الأخيرتان تدلان على أن الناس يكونون يوم القيامة فريقين: فريق المؤمنين المقربين من ثواب اللّه وكرامته ورضاه ، وفريق الكافرين الجاحدين البعيدين من رحمة اللّه ، الواقعين في صنوف العذاب.
ومضات:
في هذه الآيات استمرار على وصف القيامة وهولها والإنذار بها: فاللّه الذي يوفي كلا من الطاغين والمتّقين حسابهم على أعمالهم هو ربّ السموات والأرض وما بينهما الذي من أبرز أسمائه الحسنى (الرّحمن) . والذين يأتون إليه أفواجا يوم القيامة يقفون خاشعين متهيبين. وكذلك الملائكة مع الروح يقومون صفوفا أمامه.