الصفحة 1135 من 1282

والبصير بما في قلوب المخلصين والمنافقين ، فلا يذهب عليه رياء المرائين { وَاسْتَغْفِرْهُ } أي: اسأله أن يغفر لك ولأصحابك ما كان من القلق والضجر والحزن ، لتأخر زمن النصر والفتح . والاستغفار إنما يكون بالتوبة الخالصة . والتوبة من القلق إنما تكون بتكميل الثقة بوعد الله ، وتغليب هذه الثقة على خواطر النفس التي تحدثها الشدائد ، وهو وإن كان مما يشق على نفوس البشر ، ولكن الله علم أن نفس نبيه - صلى الله عليه وسلم - قد تبلغ ذلك الكمال ؛ فلذلك أمره به ، وكذلك تقاربه قلوب الكمّل من أصحابه وأتباعه عليه السلام . والله يتقبل منهم

إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا أي: إنه سبحانه لا يزال يوصف بأنه كثير القبول للتوبة ، لأنه ربٌّ يربي النفوس بالمحن ، فإذا وجدتْ الضعف أنهضها إلى طلب القوة ، وشدد همها بحسن الوعد ، ولا يزال بها حتى تبلغ الكمال ، وهي في كل منزلة تتوب عن التي قبلها ، وهو سبحانه يقبل توبتها فهو التواب الرحيم . وكأن الله يقول: إذا حصل الفتح وتحقق النصر وأقبل الناس على الدين الحق ، فقد ارتفع الخوف وزال موجب الحزن ، فلم يبق إلا تسبيح الله وشكره والنزوع إليه عما كان من خواطر النفس ، فلن تعود الشدة تأخذ نفوس المخلصين ما داموا على تلك الكثرة في ذلك الإخلاص . ومن هذا أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الأمر قد تم ولم يبق له إلا أن يسير إلى ربه ، فقال فيما روي عنه: < إنه قد نعيت إليه نفسه > . هذا ملخص ما أورده الإمام في تفسيره .

تنبيهات:

الأول: قال ابن كثير: المراد بالفتح هاهنا فتح مكة قولًا واحدًا ؛ فإن أحياء العرب كانت تتلوّم بإسلامها فتح مكة ، يقولون: إن ظهر على قومه فهو نبيّ . فلما فتح الله عليه مكة ، دخلوا في دين الله أفواجًا ، فلم تمض سنتان حتى استوسقت جزيرة العرب إيمانًا ، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهِر للإسلام ولله الحمد والمنة . وقد روى البخاري في"صحيحه"عن عمرو بن سلمة: كنا بماءٍ ممرَّ الناس ، وكان يمرُ بنا الركبان فنسألهم: ما للناس ؟ ما للناس ؟ ما هذا الرجل ؟ فيقولون: يزعم أن الله تعالى أرسله أوحى إليه ، أو أوحى الله بكذا ، فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يُغزى في صدري . وكانت العرب تَلَوَّمُ بإسلامهم الفتح ، فيقولون: اتركوه وقومه ، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق . فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي بإسلامهم . . . . الحديث .

الثاني: قال الرازي: إذا حملنا الفتح على فتح مكة ، فللناس في وقت النزول هذه السورة قولان:

أحدهما: أن فتح مكة كان سنة ثمان . ونزلت هذه السورة سنة عشر ، وروي أنه < عاش بعد نزول هذه السورة سبعين يومًا > ؛ ولذلك سميت سورة التوديع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت