الصفحة 1164 من 1282

قلادة حلفت لتبيعنها في الإنفاق ضد رسول اللّه ، فأعقبها اللّه بدلها حبلا في جيدها: حبلا محكما ليوضع في عنقها ، وهي في نار جهنم ، وقيل: إن المعنى على تحقيرها وتصويرها بصورة الحاطبات الممتهنات إذلالا لكبريائها هي وزوجها. [1]

التفسير والبيان:

تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ، وَتَبَّ [2] أي هلكت يداه وخسرت وخابت ، وهو مجاز عن جملته ، أي هلك وخسر ، وهذا دعاء عليه بالهلاك والخسران. ثم قال: وَتَبَّ أي وقد وقع فعلا هلاكه ، وهذا خبر من اللَّه عنه ، فقد خسر الدنيا والآخرة. وأبو لهب: عم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، واسمه عبد العزّى بن عبد المطلب ، وقد كان كثير الأذى والبغض والازدراء لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ولدينه.

ثم أخبر اللَّه تعالى عن حال أبي لهب في الماضي ، فقال: ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ أي لم يدفع عنه يوم القيامة ما جمع من المال ، ولا ما كسب من الأرباح والجاه والولد ، ولم يفده ذلك في دفع ما يحل به من الهلاك ، وما ينزل به من عذاب اللَّه ، بسبب شدة معاداته لرسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ، وصدّه الناس عن الإيمان به ، فإنه كان يسير وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا قال شيئا كذّبه.

قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ رَبِيعَةُ بْنُ عِبَادٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ ، وَكَانَ جَاهِلِيًّا قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي سُوقِ ذِي الْمَجَازِ ، وَهُوَ يَقُولُ:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا". وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ ، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الْوَجْهِ ، أَحْوَلُ ذُو غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ يَتْبَعُهُ حَيْثُ ذَهَبَ ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ ، فَذَكَرُوا لِي نَسَبَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَقَالُوا لِي: هَذَا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ

وفي رواية عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدُّؤَلِيِّ ، وَكَانَ جَاهِلِيًّا فَأَسْلَمَ ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا ؟ قَالَ: هَذَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُوَ يَذْكُرُ النُّبُوَّةَ ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الَّذِي يُكَذِّبُهُ ؟ قَالُوا: هَذَا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ ، قَالَ أَبُو الزِّنَادِ: فَقُلْتُ لِرَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ: إِنَّكَ يَوْمَئِذٍ كُنْتَ صَغِيرًا ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ إِنِّي يَوْمَئِذٍ لَأَعْقِلُ ، أَنِّي لَأَزْفِرُ الْقِرْبَةَ يَعْنِي أَحْمِلُهَا" [3] ."

والفرق بين المال والكسب: أن الأول رأس المال ، والثاني هو الربح.

ثم ذكر اللَّه تعالى عقابه في المستقبل ، فقال: سَيَصْلى نارًا ذاتَ لَهَبٍ أي سيذوق حرّ نار جهنم ذات اللهب المشتعل المتوقد ، أو سوف يعذب في النار الملتهبة التي تحرق جلده ، وهي نار

(1) - التفسير الواضح ـ موافقا للمطبوع - (3 / 916)

(2) - لم يقل في أول هذه السورة قل كما في سورة الكافرين ، حتى لا يشافه عمه بما يزيد في غضبه ، رعاية للحرمة ، وتحقيقا لمبدأ الرحمة.

(3) - مُسْنَدُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (18692 ) حسن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت