فهرس الكتاب
الخامسة: قال ابن تيمية: الفرق بين الإلهام المحمود وبين الوسوسة المذمومة هو الكتاب والسنة ، فإن كان مما ألقى في النفس مما دل الكتاب والسنة على أنهُ تقوى لله ، فهو من الإلهام المحمود ، وإن كان مما دلّ على أنهُ فجور ، فهو من الوسواس المذموم ، وهذا الفرق مطرد لا ينقض .
وقد ذكر أبو حازم في الفرق بين وسوسة النفس والشيطان ، فقال: ما كرهتهُ نفسك لنفسك فهو من الشيطان ؛ فاستعِذ بالله منه ، وما أحبَّتهُ نفسك لنفسك فهو من نفسك فانهها عنهُ .
السادسة: قال الإمام الغزالي في"الإحياء"في بيان تفصيل ما ينبغي أن يحضر في القلب عند كلِّ ركن وشرط من أعمال الصلاة ، ما مثاله: وإذا قلت:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فاعلم أنه عدوك ومرصد لصرف قلبك عن الله عز وجل ؛ حسدًا لك على مناجاتك مع الله عز وجل وسجودك له ، مع أنه لعن بسبب سجدة واحدة تركها ولم يوفَّق لها ، وإنَّ استعاذتك بالله سبحانه منه بترك ما يحبه ، بما يحب الله عز وجل لا بمجرد قولك ؛ فإن من قصده سبُعٌ أو عدوٌّ ليفترسه أو ليقتله فقال:
أعوذ منك بهذا الحصن الحصين- وهو ثابت على مكانه ذلك- لا ينفعه ، بل لا يفيده إلا بتبديل المكان ، فكذلك من يتبع الشهوات التي هي محابُّ الشيطان ومكاره الرحمن ، فلا يغنيه مجرد القول ، فليقترن قوله بالعزم على التعوذ بحصن الله عز وجل عن شر الشيطان ، وحصنه: لا إله إلا الله إذ قال عز وجل فيما أخبر عنه نبينا - صلى الله عليه وسلم -
: < ولا إله إلا الله حصني ، فمن دخل حصني أمن من عذابي > . والمتحصن به من لا معبود له سوى الله سبحانه ، فأما من اتخذ إلهه هواه ، فهو في ميدان الشيطان لا في حصن الله عز وجل . انتهى .
وملخصه أن التعوذ ليس هو مجرد القول ، بل القول عبارة عما كان للمتعوذ من ابتعاده بالفعل عما يتعوذ منه ، فكان ترجمة لحالهم . وهذا المعنى كان يلوح لي من قبل أن أراه في كلام حجَّة الإسلام ، حتى رأيته فحمدت الله على الموافقة .
السابعة: قال الإمام الغزالي في"الإحياء"أيضًا ، في بيان تسلط الشيطان على القلب بالوسواس: ومعنى الوسوسة وسبب غلبتها ، ما مثاله: اعلم أن القلب في مثال قبَة مضروبة لها أبواب تنصبُّ إليه الأحوالُ من كل باب ، ومثالهُ أيضًا مثال هدف تنصبُّ إليه السهام من الجوانب . أو هو مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف السور المختلفة فتتراءى فيها صورة بعد صورة ولا يخلو عنها . أو مثال حوض تصبُّ فيه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه . وإنما مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال ، إما من الظاهر فالحواس الخمس ، وإما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة من مزاج الْإِنْسَاْن ، فإنه إذا أدرك