يَأْتِ الْأَمْرُ مِنْ بَابِهِ كَمَنْ حَكَمَ بَيْنَ النَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ [1] وَإِنْ وَافَقَ حُكْمُهُ الصَّوَابَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ؛ لَكِنْ يَكُونُ أَخَفَّ جُرْمًا مِمَّنْ أَخْطَأَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَهَكَذَا سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْقَذَفَةَ كَاذِبِينَ فَقَالَ: {لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ} (13) سورة النور، فَالْقَاذِفُ كَاذِبٌ وَلَوْ كَانَ قَدْ قَذَفَ مَنْ زَنَى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا لَا يَحِلُّ لَهُ الْإِخْبَارُ بِهِ وَتَكَلَّفَ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلِهَذَا تَحَرَّجَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ عَنْ تَفْسِيرِ مَا لَا عِلْمَ لَهُمْ بِهِ كَمَا رَوَى شُعْبَةُ ، عَنْ سُلَيْمَانَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ:"أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي ، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي ، إِذَا قُلْتُ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِي أَوْ بِمَا لَا أَعْلَمُ". [2]
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ: حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الْعَوَّامِ بْنِ حوشب عَنْ إبْرَاهِيمَ التيمي أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } فَقَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إنْ أَنَا قُلْت فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ ؟ - مُنْقَطِعٌ - [3]
(1) - سنن أبى داود (3575 ) عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ وَاحِدٌ فِى الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِى النَّارِ فَأَمَّا الَّذِى فِى الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِى الْحُكْمِ فَهُوَ فِى النَّارِ وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِى النَّارِ » . قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا أَصَحُّ شَىْءٍ فِيهِ يَعْنِى حَدِيثَ ابْنِ بُرَيْدَةَ « الْقُضَاةُ ثَلاَثَةٌ » . وهو صحيح
(2) - الطبري رقم (70 و71) وفيه انقطاع وقال عقبه:
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ شَاهِدَةٌ لَنَا عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا ، مِنْ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ ، إِلَّا بِنَصِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، أَوْ بِنَصْبِهِ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ ، فَغَيَّرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الْقِيلَ فِيهِ بِرَأْيِهِ ، بَلِ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ ، وَإِنْ أَصَابَ الْحَقَّ فِيهِ ، فَمُخْطِئٌ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ بِقِيلِهِ فِيهِ بِرَأْيِهِ ، لِأَنَّ إِصَابَتَهُ لَيْسَتْ إِصَابَةَ مُوقِنٍ أَنَّهُ مُحِقٌّ ، وَإِنَّمَا هُوَ إِصَابَةُ خَارِصٍ وَظَانٍّ ، وَالْقَائِلُ فِي دَيْنِ اللَّهِ بِالظَّنِّ قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ عَلَى عِبَادِهِ ، فَقَالَ: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ فَالْقَائِلُ فِي تَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بَيَانَهُ ، قَائِلٌ بِمَا لَا يَعْلَمُ ، وَإِنْ وَافَقَ قِيلُهُ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعْنَاهُ ، لِأَنَّ الْقَائِلَ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ، قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ . وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْخَبَرِ ، الَّذِي .72 حَدَّثَنَا بِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ ، عَنْ جُنْدُبٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ ، فَقَدْ أَخْطَأَ"يَعْنِي - صلى الله عليه وسلم - ، أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ ، بِقِيلِهِ فِيهِ بِرَأْيِهِ ، وَإِنْ وَافَقَ قِيلُهُ ذَلِكَ عَيْنَ الصَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ ، لِأَنَّ قِيلَهُ فِيهِ بِرَأْيِهِ ، لَيْسَ بِقِيلِ عَالِمٍ أَنَّ الَّذِيَ قَالَ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ حَقٌّ وَصَوَابٌ ، فَهُوَ قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ ، آثَمٌ بِفِعْلِهِ مَا قَدْ نَهَى عَنْهُ وَحُظِرَ عَلَيْهِ .
(3) - مصنف ابن أبي شيبة (ج 10 / ص 482) (30096 و30100) وشعب الإيمان للبيهقي (2200) و الْجَامِعُ لِأَخْلَاقِ الرَّاوِي وَآدَابِ السَّامِعِ لِلْخَطِيِبِ الْبَغْدَادِيِّ (1596) و جَامِعُ بَيَانِ الْعِلْمِ ( 992 ) عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ وَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ، وَعَامِرٌ الشَّعْبِيُّ ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ، فالحديث صحيح لغيره