الصفحة 140 من 1282

وفي مواضع أخرى تفصيل للمناجاة بين موسى وربه في هذا الموقف .

فأما هنا فالمجال مجال اختصار وإيقاعات سريعة . ومن ثم يبادر السياق بحكاية أمر التكليف الإلهي لموسى ، عقب ذكر النداء بالوادي المقدس طوى: { اذهب إلى فرعون . إنه طغى . فقل: هل لك إلى أن تزكَّى! وأهديك إلى ربك فتخشى؟ } . .

{ اذهب إلى فرعون . إنه طغى } . . والطغيان أمر لا ينبغي أن يكون ولا أن يبقى . إنه أمر كريه ، مفسد للأرض ، مخالف لما يحبه الله ، مؤد إلى ما يكره . . فمن أجل منعه ينتدب الله عبدًا من عباده المختارين . ينتدبه بنفسه سبحانه . ليحاول وقف هذا الشر ، ومنع هذا الفساد ، ووقف هذا الطغيان . . إنه أمر كريه شديد الكراهية حتى ليخاطب الله بذاته عبدًا من عباده ليذهب إلى الطاغية ، فيحاول رده عما هو فيه ، والإعذار إليه قبل أن يأخذه الله تعالى نكال الآخرة والأولى!

{ إذهب إلى فرعون . إنه طغى } . . ثم يعلمه الله كيف يخاطب الطاغية بأحب أسلوب وأشده جاذبية للقلوب ، لعله ينتهي ، ويتقي غضب الله وأخذه: { فقل: هل لك إلى أن تزكى؟ } . . هل لك إلى أن تتطهر من رجس الطغيان ودنس العصيان؟ هل لك إلى طريق الصلاة والبركة؟ { وأهديك إلى ربك فتخشى } . . هل لك أن أعرفك طريق ربك؟ فإذا عرفته وقعت في قلبك خشيته؟ فما يطغى الإنسان ويعصي إلا حين يذهب عن ربه بعيدًا ، وإلا حين يضل طريقه إليه فيقسو قلبه ويفسد ، فيكون منه الطغيان والتمرد!

كان هذا في مشهد النداء والتكليف . وكان بعده في مشهد المواجهة والتبليغ . والسياق لا يكرره في مشهد التبليغ . اكتفاء بعرضه هناك وذكره . فيطوي ما كان بعد مشهد النداء ، ويختصر عبارة التبليغ في مشهد التبليغ . ويسدل الستار هنا ليرفعه على ختام مشهد المواجهة: { فأراه الآية الكبرى . فكذب وعصى } . .

لقد بلغ موسى ما كلف تبليغه . بالأسلوب الذي لقنه ربه وعرفه . ولم يفلح هذا الأسلوب الحبيب في إلانة القلب الطاغي الخاوي من معرفة ربه . فأراه موسى الآية الكبرى . آية العصا واليد البيضاء كما جاء في المواضع الأخرى: { فكذب وعصى } . . وانتهى مشهد اللقاء والتبليغ عند التكذيب والمعصية في اختصار وإجمال!

ثم يعرض مشهدًا آخر . مشهد فرعون يتولى عن موسى ، ويسعى في جمع السحرة للمباراة بين السحر والحق . حين عز عليه أن يستسلم للحق والهدى: { ثم أدبر يسعى . فحشر فنادى . فقال: أنا ربكم الأعلى } . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت