الصفحة 144 من 1282

لا شك بأن السماء أشدّ خلقا ، كما قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر 40/ 57] وقال سبحانه: أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ

[يس 36/ 81] . فمن قدر على خلق السماء ذات الأجرام العظيمة التي يتحدث عنها علماء الفلك والفضاء بدهشة ، وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو واضح ، كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة ؟ ! ثم بيّن اللّه تعالى صفة خلق السموات ، وأنه بناها بضم أجزائها بعضها إلى بعض ، مع ربطها بما يمسكها حتى صارت بناء واحدا ، ورفع ثخانتها في الجو ، وجعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض بدون أعمدة ، وجعلها عالية البناء ، مستوية الخلق ، معدّلة الشكل ، لا تفاوت فيها ولا اعوجاج ، ولا فطور ولا شقوق ، بان أبدع في خلق الكواكب العديدة التي تفوق الملايين ، وجعل لكل كوكب حجما معينا ، ومدارا يسير فيه دون تصادم مع غيره ، حتى صار من مجموعها ما يسمى بالسماء ، وما يشبه البناء.

وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها أي جعل ليل السماء مظلما ، وأبرز وأنار نهارها المضيء بإضاءة الشمس ، وجعل تعاقب الليل والنهار واختلاف الفصول مناخا صالحا للعيش والسكنى.

وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي بسط الأرض ومهدها وجعلها مفلطحة كالبيضة بعد خلق السماء ، إلا أنها كانت مخلوقة غير مدحوة قبل خلق السماء ، ثم دحيت بعد خلق السماء ، كما جاء في سورة السجدة (فصّلت) : قُلْ: أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدادًا ، ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها ، وَبارَكَ فِيها ، وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ ، سَواءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ ، فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ: ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ، قالَتا: أَتَيْنا طائِعِينَ [9- 11] فهذه الآية دليل على أن خلق السموات كان بعد خلق الأرض ، إلا أن دحو الأرض وتمهيدها كان بعد خلق السموات [1] .

ثم أوضح ما تم في أثناء الدحو من إعداد وسائل الحياة والعيش ، فقال:

أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها ، وَالْجِبالَ أَرْساها ، مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ أي فجّر من الأرض الأنهار والبحار والعيون والينابيع ، وأنبت فيها النبات لبني آدم قوتا كالحبوب والثمار ، وللأنعام مرعى كالأعشاب والحشائش ، وجعل الجبال كالأوتاد للأرض لئلا تميد بأهلها ، وقررها وثبّتها في أماكنها.

وجعل تعالى كل ذلك منفعة وفائدة أو تمتيعا لكم أيها الناس ، ولأنعامكم أكلا وركوبا وهي الإبل والبقر والغنم ، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً ، لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ ، وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ [النحل 16/ 10] .

(1) - تفسير ابن كثير: 4/ 468

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت