الصفحة 147 من 1282

والماء الذي يخرج من الأرض ، هو من هذا الماء الملح ، الذي سخرته القدرة الإلهية ، ليكون بخارا ، فسحابا ، فمطرا ، فماء عذبا تفيض به الأنهار ، وتتفجر منه العيون .. وكما أخرج اللّه سبحانه الماء والمرعى من الأرض ، أرسى فيها الجبال لتمسكها وتحفظ توازنها ..

وقوله تعالى: « مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ » هو مفعول له ، أي دحا اللّه الأرض وأخرج منها الماء والمرعى ، متاعا لكم ولأنعامكم وزادا تتزودون به لحياتكم وحياة أنعامكم ..

وفى جعل المرعى متاعا للناس والأنعام ـ إشارة إلى أن الناس والأنعام سواء في هذا الرزق الذي أخرجه اللّه سبحانه وتعالى من الأرض ، وأن العقل الذي امتاز به الناس على سائر الحيوان ، ليس هو الذي يفيض عليهم هذا الرزق ، وإنما هو فضل من فضل اللّه ، ورزق من رزقه! إنهم يرزقون من فضل اللّه كما ترزق الأنعام .. سواء بسواء .. [1]

ومن هذه الجولة في مصارع الطغاة المعتدين بقوتهم ، يعود إلى المشركين المعتزين بقوتهم كذلك . فيردهم إلى شيء من مظاهر القوة الكبرى ، في هذا الكون الذي لا تبلغ قوتهم بالقياس إليه شيئًا: { أأنتم أشد خلقًا أم السماء؟ بناها . رفع سمكها فسواها . وأغطش ليلها وأخرج ضحاها . والأرض بعد ذلك دحاها . أخرج منها ماءها ومرعاها . والجبال أرساها . متاعًا لكم ولأنعامكم } . .

وهو استفهام لا يحتمل إلا إجابة واحدة بالتسليم الذي لا يقبل الجدل: { أأنتم أشد خلقًا أم السماء؟ } . . السماء! بلا جدال ولا كلام! فما الذي يغركم من قوتكم والسماء أشد خلقًا منكم ، والذي خلقها أشد منها؟ هذا جانب من إيحاء السؤال .

وهناك جانب آخر . فما الذي تستصعبونه من أمر بعثكم؟ وهو خلق السماء وهي أشد من خلقكم؛ وبعثكم هو إعادة لخلقكم ، والذي بنى السماء وهي أشد ، قادر على إعادتكم وهي أيسر!

هذه السماء الأشد خلقًا بلا مراء . . { بناها } . . والبناء يوحي بالقوة والتماسك ، والسماء كذلك . متماسكة . لا تختل ولا تتناثر نجومها وكواكبها . ولا تخرج من أفلاكها ومداراتها ، ولا تتهاوى ولا تنهار . فهي بناء ثابت وطيد متماسك الأجزاء .

{ رفع سمكها فسواها } . . وسمك كل شيء قامته وارتفاعه . والسماء مرفوعه في تناسق وتماسك . وهذه هي التسوية: { فسواها } . . والنظرة المجردة والملاحظة العادية تشهد بهذا التناسق المطلق . والمعرفة بحقيقة القوانين التي تمسك بهذه الخلائق الهائلة وتنسق بين حركاتها وآثارها وتأثراتها ، توسع من معنى هذا التعبير ، وتزيد في مساحة هذه الحقيقة الهائلة ، التي لم يدرك الناس بعلومهم إلا أطرافًا منها ، وقفوا تجاهها مبهورين ، تغمرهم الدهشة ، وتأخذهم

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1441)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت