الصفحة 160 من 1282

وفى قوله تعالى: « أَيَّانَ مُرْساها » ـ إشارة إلى أن الحياة الدنيا ، أشبه بسفينة أقلعت بالناس ، آخذة مسيرتها بهم على أمواج الزمن ، حتى تلقى بهم على الشاطئ الآخر ، المقابل للشاطىء الذي أقلعت منه سفينتهم .. فكأنهم يقولون: متى ترسو بنا سفينة الحياة على مرفأ هذا اليوم الموعود ؟ إنهم يسألون سؤال المنكر المستهزئ.

وقوله تعالى: « فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها » أي في أي شىء أنت أيها النبي من ذكرها لهم ؟ إنك لا تدرى ما جواب هذا السؤال الذي يسألونك فيه عن يومها ، لأنك لم تسأل ربك هذا السؤال ، ولم تشغل نفسك به ، ولم تتكلف له جوابا ، لأنه ليس الذي يعنيك من هذا اليوم موعده ، وإنما الذي أنت مشغول به منه ، هو لقاؤه ، والإعداد له .. وهو آت لا ريب فيه ..

قوله تعالى: «إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها » أي أن أمر الساعة عند اللّه ، وإليه منتهى مسيرة الناس إليها ، لا يعلم أحد متى يكون ذلك .. كما يقول سبحانه: « يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ؟ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً » (187: الأعراف) قوله تعالى: « إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها » أي أنه ليس لك أن تسأل عنها ، ولا أن تجيب السائلين عن سؤالهم عن يومها ، فليس ذلك من رسالتك ، وإنما رسالتك هى أن تنذر بها ، وتحذّر منها ، من يخشاها ، ويعمل حسابها ، ويعدّ نفسه ليومها.

قوله تعالى: « كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ْ ضُحاها » أي أن هؤلاء الذين يسألون عن الساعة ، ويستعجلون يومها ، استهزاء ، واستخفافا ، دون أن يعدّوا أنفسهم لها ـ هؤلاء سيعلمون حين تطلع عليهم أن رحلتهم إليها لم تطل ، وأنهم لم يلبثوا في دنياهم إلا عشية ليلة ، أو ضحى هذه الليلة .. [1]

إن الحياة الدنيا متاع . متاع مقدر بدقة وإحكام . وفق تدبير يرتبط بالكون كله ونشأة الحياة والإنسان . ولكنه متاع . متاع ينتهي إلى أجله . . فإذا جاءت الطامة الكبرى غطت على كل شيء ، وطمت على كل شيء . على المتاع الموقوت . وعلى الكون المتين المقدر المنظم . على السماء المبنية والأرض المدحوة والجبال المرساة والأحياء والحياة وعلى كل ما كان من مصارع ومواقع . فهي أكبر من هذا كله ، وهي تطم وتعم على هذا كله!

عندئذ يتذكر الإنسان ما سعى . يتذكر سعيه ويستحضره ، إن كانت أحداث الحياة ، وشواغل المتاع أغفلته عنه وأنسته إياه . يتذكره ويستحضره ولكن حيث لا يفيده التذكر والاستحضار إلا الحسرة والأسى وتصور ما وراءه من العذاب والبلوى!

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1443)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت