الصفحة 178 من 1282

لذا أمر اللّه تعالى رسوله - صلى الله عليه وسلم - ألا يخص بالإنذار أحدا ، بل يساوي فيه بين الشريف والضعيف ، والغني والفقير ، والسادة والعبيد ، والرجال والنساء ، والصغار والكبار ، ثم يهدي اللّه تعالى من يشاء إلى صراط مستقيم.

ومضات:

والعلم بالحادثة يدل على أن المراد مجيء خاص وأعمى معهود .

وصيغة الخبر مستعملة في العتاب على الغفلة عن المقصود الذي تضمنه الخبر وهو اقتصار النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) على الاعتناء بالحرص على تبليغ الدعوة إلى من يرجو منه قبولَها مع الذهول عن التأمل فيما يقارن ذلك من تعليم من يرغب في علم الدين ممن آمن ، ولما كان صدور ذلك من الله لنبيه ( - صلى الله عليه وسلم - ) لم يشأ الله أن يفاتحه بما يتبادر منه أنه المقصود بالكلام ، فوجهه إليه على أسلوب الغيبة ليكون أول ما يقرع سمعه باعثًا على أن يترقب المعنيَّ من ضمير الغائب فلا يفاجئه العتاب ، وهذا تلطف من الله برسوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) ليقع العتاب في نفسه مدرجًا وذلك أهون وقعًا ، ونظير هذا قوله: ( عفا اللَّه عنك لم أذنت لهم (( التوبة: 43 ) .

قال عياض: قال عون بن عبد الله والسمرقندي: أخبره الله بالعفو قبل أن يخبره بالذنب حتى سكن قلبه ا هـ . فكذلك توجيه العتاب إليه مسندًا إلى ضمير الغائب ثم جيء بضمائر الغيبة فذكر الأعمى تظهر المراد من القصة واتضح المراد من ضمير الغيبة .

ثم جيء بضمائر الخطاب على طريقة الالتفات .

ويظهر أن النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) رجا من ذلك المجلس أن يُسلموا فيسلم بإسلامهم جمهور قريش أو جميعهم فكان دخول ابن أم مكتوم قطعًا لسلك الحديث وجعل يقول للنبيء ( - صلى الله عليه وسلم - ) يا رسول الله استدنني ، علمني ، أرشدني ، ويناديه ويكثر والإِلحاح فظهرت الكراهية في وجه الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) لعله لقطعه عليه كلامه وخشيته أن يفترق النفر المجتمعون ، وفي رواية الطبري أنه استقرأ النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) آية من القرآن .

والمعنى: انظر فقد يكون تزكِّيهِ مرجوًا ، أي إذا أقبلت عليه بالإِرشاد زاد الإِيمان رسوخًا في نفسه وفَعل خيرات كثيرة مما ترشده إليه فزاد تزكية ، فالمراد ب ( يتزكى ) تزكية زائدة على تزكية الإِيمان بالتملّي بفضائل شرائعه ومكارم أخلاقه مما يفيضه هديك عليه ، كما قال النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) ( لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة ) إذ الهدى الذي يزداد به المؤمن رفعة وكمالًا في درجات الإِيمان هو كاهتداء الكافر إلى الإيمان لا سيما إذ الغاية من الاهتداءين واحدة .

والعبرة من هذه الآيات أن الله تعالى زاد نبيئه ( - صلى الله عليه وسلم - ) علمًا عظيمًا من الحكمة النبوية ، ورفعَ درجة علمه إلى أسمى ما تبلغ إليه عقول الحكماء رعاةِ الأمم ، فنبهه إلى أن في معظم الأحوال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت