الصفحة 180 من 1282

عام للأمة بزيادة عددها ونفع خاص لذاته . وفي ازدياد المؤمن من وسائل الخير وتزكية النفس نفع خاص له والرسول راع لآحاد الأمة ولمجموعها ، فهو مخاطب بالحفاظ على مصالح المجموع ومصالح الآحاد بحيث لا يدحض مصالح الآحاد لأجل مصالح المجموع إلا إذا تعذر الجمع بين الصالح العام والصالح الخاص ، بيد أن الكافر صاحبَ هذه القضية تنبىء دخيلتُه بضعف الرجاء في إيمانه لو أطيل التوسم في حاله ، وبذلك تَعطل الانتفاعُ بها عمومًا وخصوصًا وتمخض أن لتزكية المؤمن صاحب القضية نفعًا لخاصة نفسه ولا يخلو من عَود تزكية بفائدة على الأمة بازدياد الكاملين من أفرادها .

وقد حصل من هذا إشعار من الله لرسوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) بأن الاهتداء صنوف عديدة وله مراتب سامية ، وليس الاهتداء مقتصرًا على حصول الإِيمان مراتبَ وميادينَ لسبق همم النفوس لا يُغفل عن تعهدها بالتثبيت والرعي والإِثمار ، وذلك التعهد إعانة على تحصيل زيادة الإِيمان .

وتلك سرائر لا يعلم حقها وفروقها إلا الله تعالى . فعلى الرسول ( - صلى الله عليه وسلم - ) وهو خليفة الله في خلقه أن يتوخاها بقدر المستطاع ، فما أوحى الله إليه في شأنه اتبع ما يوحى إليه وما لم ينزل عليه وحي في شأنه فعليه أن يصرف اجتهاده كما أشار إليه قوله تعالى: ( ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول (( محمد: 30 ) .

فكان ذلك موقع هذه الوصية المفرغة في قالب المعاتبة للتنبيه إلى الاكتراث بتتبع تلك المراتب وغرس الإِرشاد فيها على ما يرجى من طيب تُربتِهَا ليخرج منها نبات نافع للخاص وللعامة .

والحاصل أن الله تعالى أعلم رسوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) أن ذلك المشرك الذي محضه نصحَه لا يُرجى منه صلاح ، وأن ذلك المؤمن الذي استبقى العناية به إلى وقت آخر يزداد صلاحًا تفيد المبادرةُ به ، لأنه في حالة تلهفه على التلقّي من رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) أشد استعدادًا منه في حين آخر .

فهذه الحادثة منوال ينسج عليه الاجتهاد النبوي إذا لم يرد له الوحي ليعلم أن من وراء الظواهر خبايا ، وأن القرائن قد تَستُر الحقائق .

وفي ما قررنا ما يعرف به أن مرجع هذه الآية وقضيتها إلى تصرف النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) بالاجتهاد فيما لم يُوحَ إليه فيه ، وأنه ما حاد عن رعاية أصول الاجتهاد قيد أنملة . وهي دليل لما تقرر في أصول الفقه من جواز الاجتهاد للنبيء ( - صلى الله عليه وسلم - ) ووقوعه ، وأنه جرى على قاعدة إعمال أرجح المصلحتين بحسب الظاهر ، لأن السرائر موكولة إلى الله تعالى ، وأن اجتهاده ( - صلى الله عليه وسلم - ) لا يخطىء بحسب ما نصبه الله من الأدلة ، ولكنه قد يخالف ما في علم الله ، وأن الله لا يقر رسوله ( - صلى الله عليه وسلم - ) على ما فيه مخالفة لما أراده الله في نفس الأمر .

ونظير هذه القضية قضية أسرى بدر التي حدثت بعد سنين من نزول هذه الآية والموقف فيهما متماثل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت