فهرس الكتاب
هذا ، وفى هذه الآيات التي ووجه فيها النبىّ ـ صلوات اللّه وسلامه عليه ـ بهذا العتاب الرحيم الرفيق من ربه ـ ما نود أن نقف عنده:
فأولا: أن قدر الإنسان ومنزلته ، هى فيما في عقله من بصيرة ، وما في قلبه من استعداد لتقّبل الخير والإقبال عليه .. وأن رجلا فقيرا أعمى يحمل مثل هذا العقل وذلك القلب ، ليرجح ميزانه المئات والألوف من الذين عميت بصائرهم ، وزاغت قلوبهم ، ولو كانوا في الناس سادة ، وقادة ، بمالهم ، وجاههم وسلطانهم ..روى أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حين تألف من تألف من قادة قريش وزعمائها مما أفاء اللّه عليه من أموال هوازن ، مثل عيينة بن حصن ، وأبى سفيان ، ومعاوية ، والأقرع بن حابس وغيرهم ـ سأله بعض أصحابه في شأن جعيل بن سراقة ، وأنه من فقراء المسلمين ، ومن أهل البلاء فيهم ..
فقال صلوات اللّه وسلامه عليه: « أما والذي نفسى بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع « 1 » الأرض مثل عيينة والأقرع ، ولكن تألفتهما ليسلما ، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه »..
وثانيا: أن هؤلاء المشركين من قريش ، لا يرى فيهم الإسلام شيئا يحرص عليه ، ويشتدّ طلبه له ، وأن أي مسلم من الجماعة التي دخلت في دين اللّه ، وآمنت به ، وصدق إيمانها ، هو ـ في ميزان الإسلام شىء ـ عظيم ، وأن بشاشة النبىّ في وجهه لا يحرمه منها طمع في إسلام هؤلاء المشركين الذين ما زالوا في قبضة الشرك .. فالأمر هنا موازنة بين مؤمن ، تحقّق إيمانه ، وبين مشركين مطموع في إيمانهم .. ومع هذا فإن سبقه إلى الإيمان ـ وبصرف النظر عن تقبّل هؤلاء المشركين للإيمان أو إعراضهم عنه ـ يجعل كفّته راجحة عليهم أبدا ، ولن يلحقوا به حتى ولو وقع الإيمان في قلوبهم مثل ما وقع في قلبه ، ففضل السبق إلى الإيمان ، منزلة لا يبلغها إلا أهل السبق .. [1]
ثم يبين حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها ، واستغناءها عن كل أحد . وعن كل سند . وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها ، كائنًا ما كان وضعه ووزنه في موازين الدنيا: { إنها تذكرة . فمن شاء ذكره . في صحف مكرمة . مرفوعه مطهرة . بأيدي سفرة . كرام بررة } . . فهي كريمة في كل اعتبار . كريمة في صحفها ، المرفوعة المطهرة الموكل بها السفراء من الملأ الأعلى ينقلونها إلى المختارين في الأرض ليبلغوها . وهم كذلك كرام بررة . . فهي كريمة طاهرة في كل ما يتعلق بها ، وما يمسها من قريب أو من بعيد . وهي عزيزة لا يُتصدى بها للمعرضين الذين يظهرون الاستغناء عنها؛ فهي فقط لمن يعرف كرامتها ويطلب التطهر بها
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1451)