فهرس الكتاب
{ من أي شيء خلقه؟ } . .إنه أصل متواضع زهيد ، يستمد كل قيمته من فضل الله ونعمته ، ومن تقديره وتدبيره: { من نطفة خلقه فقدره } . .
من هذا الشيء الذي لا قيمة له؛ ومن هذا الأصل الذي لا قوام له . . ولكن خالقه هو الذي قدره . قدره . من تقدير الصنع وإحكامه . وقدره: من منحه قدرًا وقيمة فجعله خلقًا سويًا ، وجعله خلقًا كريمًا . وارتفع به من ذلك الأصل المتواضع ، إلى المقام الرفيع الذي تسخر له فيه الأرض وما عليها .
{ ثم السبيل يسره } . .فمهد له سبيل الحياة . أو مهد له سبيل الهداية . ويسره لسلوكه بما أودعه من خصائص واستعدادات . سواء لرحلة الحياة ، أو للاهتداء فيها .
حتى إذا انتهت الرحلة ، صار إلى النهاية التي يصير إليها كل حي . بلا اختيار ولا فرار:
{ ثم أماته فأقبره } . .فأمره في نهايته كأمره في بدايته ، في يد الذي أخرجه إلى الحياة حين شاء ، وأنهى حياته حين شاء ، وجعل مثواه جوف الأرض ، كرامة له ورعاية ، ولم يجعل السنة أن يترك على ظهرها للجوارح والكواسر . وأودع فطرته الحرص على مواراة ميته وقبره . فكان هذا طرفًا من تدبيره له وتقديره .
حتى إذا حان الموعد الذي اقتضته مشيئته ، أعاده إلى الحياة لما يراد به من الأمر:
{ ثم إذا شاء أنشره } . .فليس متروكًا سدى؛ ولا ذاهبًا بلا حساب ولا جزاء .
.فهل تراه تهيأ لهذا الأمر واستعد؟
{ كلا! لما يقض ما أمره } . .الإنسان عامة ، بأفراده جملة ، وبأجياله كافة . . لما يقض ما أمره . . إلى آخر لحظة في حياته . وهو الإيحاء الذي يلقيه التعبير بلما . كلا إنه لمقصر ، لم يؤد واجبه . لم يذكر أصله ونشأته حق الذكرى . . ولم يشكر خالقه وهاديه وكافله حق الشكر . ولم يقض هذه الرحلة على الأرض في الاستعداد ليوم الحساب والجزاء . . هو هكذا في مجموعه . فوق أن الكثرة تعرض وتتولى ، وتستغني وتتكبر على الهدى! [1]
ما ترشد إليه الآياتُ
1-بيان مظاهر قدرة الله وعلمه وحكمته وهي مقتضية للإِيمان به وبآياته ورسوله ولقائه .
2-الاستدلال بالصنعة على الصانع . وأن أثر الشيء يدل عليه ، ولذا يتعجب من كفر الكافر بربه وهو خلقه ورزقه وكلأ حياته وحفظ وجوده إلى أجله .
3-القرآن كتاب جليل عند اللّه ، فهو مثبت مودع في صحف مكرمة عند اللّه ، لما فيها من العلم والحكمة ، رفيعة القدر عند اللّه ، مطهرة من كل دنس ، مصانة عن أن ينالها الكفار ،
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3825)