الصفحة 216 من 1282

روى أن رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - حين تألف من تألف من قادة قريش وزعمائها مما أفاء اللّه عليه من أموال هوازن ، مثل عيينة بن حصن ، وأبى سفيان ، ومعاوية ، والأقرع بن حابس وغيرهم ـ سأله بعض أصحابه في شأن جعيل بن سراقة ، وأنه من فقراء المسلمين ، ومن أهل البلاء فيهم

فقال صلوات اللّه وسلامه عليه: « أما والذي نفسى بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع ، ولكن تألفتهما ليسلما ، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه » ..

وثانيا: أن هؤلاء المشركين من قريش ، لا يرى فيهم الإسلام شيئا يحرص عليه ، ويشتدّ طلبه له ، وأن أي مسلم من الجماعة التي دخلت في دين اللّه ، وآمنت به ، وصدق إيمانها ، هو ـ في ميزان الإسلام شىء ـ عظيم ، وأن بشاشة النبىّ في وجهه لا يحرمه منها طمع في إسلام هؤلاء المشركين الذين ما زالوا في قبضة الشرك .. فالأمر هنا موازنة بين مؤمن ، تحقّق إيمانه ، وبين مشركين مطموع في إيمانهم .. ومع هذا فإن سبقه إلى الإيمان ـ وبصرف النظر عن تقبّل هؤلاء المشركين للإيمان أو إعراضهم عنه ـ يجعل كفّته راجحة عليهم أبدا ، ولن يلحقوا به حتى ولو وقع الإيمان في قلوبهم مثل ما وقع في قلبه ، ففضل السبق إلى الإيمان ، منزلة لا يبلغها إلا أهل السبق .. [1]

هذه هي قصة طعامه . مفصلة مرحلة مرحلة . هذه هي فلينظر إليها؛ فهل له من يد فيها؟ هل له من تدبير لأمرها؟ إن اليد التي أخرجته إلى الحياة وأبدعت قصته ، هي ذاتها اليد التي أخرجت طعامه وأبدعت قصته . .

{ فلينظر الإنسان إلى طعامه } . . ألصق شيء به ، وأقرب شيء إليه ، وألزم شيء له . . لينظر إلى هذا الأمر الميسر الضروري الحاضر المكرر . لينظر إلى قصته العجيبة اليسيرة ، فإن يسرها ينسيه ما فيها من العجب . وهي معجزة كمعجزة خلقه ونشأته . وكل خطوة من خطواتها بيد القدرة التي أبدعته: { أنا صببنا الماء صبًا } . . وصب الماء في صورة المطر حقيقة يعرفها كل إنسان في كل بيئة ، في أية درجة كان من درجات المعرفة والتجربة . فهي حقيقة يخاطب بها كل إنسان . فأما حين تقدم الإنسان في المعرفة فقد عرف من مدلول هذا النص ما هو أبعد مدى وأقدم عهدًا من هذا المطر الذي يتكرر اليوم ويراه كل أحد . وأقرب الفروض الآن لتفسير وجود المحيطات الكبيرة التي يتبخر ماؤها ثم ينزل في صورة مطر ، أقرب الفروض أن هذه المحيطات تكونت أولًا في السماء فوقنا ثم صبت على الأرض صبًا!

وفي هذا يقول أحد علماء العصر الحاضر: « إذا كان صحيحًا أن درجة حرارة الكرة الأرضية وقت انفصالها عن الشمس كانت حوالي 12 000 درجة . أو كانت تلك درجة حرارة سطح

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1451)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت