الصفحة 241 من 1282

والسلام: < ما من شيء بلغني عنك فعلته > ؟ فقال: يا رسول الله ! رأيت الناس يموجون على غير وجه ولم أدر أين الصواب ، غير أني علمت أنهم ليسوا عليه ، فرأيتهم يئدون بناتهم ، فعرفت أن ربهم عزَّ وجل لم يأمرهم بذلك فلم أتركهم ، ففديت ما قدرت عليه .

ويقال: إنه اجتمع جرير والفرزدق يومًا عند سليمان بن عبد الملك فافتخرا . فقال الفرزدق: أنا ابن محيي الموتى ، فقال له سليمان: أنت ابن محيي الموتى ؟ فقال: إن جدي أحيا الموءودة ، وقد قال الله تعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } [ المائدة: 32 ] ، وقد أحيا جدي اثنتين وتسعين موءودة ، فتبسم سليمان ، وقال: إنك مع شعرك لفقيه . نقله المرتضى في"أماليه"وبالجملة ، فكان الوأد عادة من أشنع العوائد في الجاهلية ، مما يدل على نهاية القسوة وتمام الجفاء والغلظة .

قال الإمام: انظر إلى هذه القسوة وغلظ القلب وقتل البنات البريئات بغير ذنب سوى خوف الفقر والعار ، كيف استبدلت بالرحمة والرأفة بعد أن خالط الإسلام قلوب العرب ؟ فما أعظم نعمة الإسلام على الْإِنْسَاْنية بأسرها بمحوه هذه العادة القبيحة . انتهى .

ومن أثر نعمته أن صار أدباء الصدر الأول يَصوغون في مدحهن ما هو أبهى من عقود الجُمان ، فمن ذلك قول معن بن أوس:

~رأيتُ رجالًا يكرهون بناتِهِمْ وفيهن لا نُكْذَبْ نساء صوالحُ

~وفيهن والأيام يعثرن بالفتى خوادِمُ لا يَمْلَلْنَهُ ونوائحُ

وقال العلويّ الجمانيّ في صديق له ولدت له بنت فسخطها ، شعرًا:

~قالوا له ماذا رُزقْتَا فأصاخ ثُمَّتَ قال بنتا

~وأجلّ من ولد النساء أبو البنات فلِمْ جزعتا

~إن الذين تودّ من بين الخلائق ما استطعتا

~نالوا بفضل البنتِ ما كَبَتُوا به الأعداء كبتًا

وحكي أن عمرو بن العاص دخل على معاوية وعنده ابنته ، فقال: من هذه يا معاوية ؟ فقال: هذه تفاحة القلب وريحانة العين وشمامة الأنف . فقال: أَمِطْها عنك . قال: وَلِمَ ؟ قال: لأنهن يلدن الأعداء ، ويقرّبنَ البعداء ، ويُورِثْنَ الشحناء ، ويُثْرنَ البغضاءَ . قال: لا تقل ذلك يا عمرو ! فوالله ما مَرّض المرضى ، ولا ندب الموتى ، ولا أعان على الزمان ، ولا أذهب جيش الأحزان مثلهن ، وإنك لواجدٌ خالًا قد نفعه بنو أخته ، وأبًا قد رفعه نسل بنيه . فقال: يا معاوية ! دخلت عليك وما على الأرض شيء أبغض إليّ منهن ، وإني لأخرج من عندك وما عليها شيء أحب إلىّ منهن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت