الصفحة 246 من 1282

قوله تعالى: « عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ » هو جواب « إذا » الشرطية الظرفية التي تواردت على هذه الأحداث التي تقع بين يدى الساعة ، وفى يوم مجيئها ..

ففى هذا اليوم تعلم كلّ نفس ما أحضرت معها من أعمال عملتها في الدنيا من خير أو شر .. [1]

هذا هو مشهد الانقلاب التام لكل معهود ، والثورة الشاملة لكل موجود . الانقلاب الذي يشمل الأجرام السماوية والأرضية ، والوحوش النافرة والأنعام الأليفة ، ونفوس البشر ، وأوضاع الأمور . حيث ينكشف كل مستور ، ويعلم كل مجهول؛ وتقف النفس أمام ما أحضرت من الرصيد والزاد في موقف الفصل والحساب . وكل شيء من حولها عاصف؛ وكل شيء من حولها مقلوب!

وهذه الأحداث الكونية الضخام تشير بجملتها إلى أن هذا الكون الذي نعهده .

الكون المنسق الجميل ، الموزون الحركة ، المضبوط النسبة ، المتين الصنعة ، المبني بأيد وإحكام . أن هذا الكون سينفرط عقد نظامه ، وتتناثر أجزاؤه ، وتذهب عنه صفاته هذه التي يقوم بها؛ وينتهي إلى أجله المقدر ، حيث تنتهي الخلائق إلى صورة أخرى من الكون ومن الحياة ومن الحقائق غير ما عهدت نهائيًا في هذا الكون المعهود .

وهذا ما تستهدف السورة إقراره في المشاعر والقلوب كي تنفصل من هذه المظاهر الزائلة مهما بدت لها ثابتة وتتصل بالحقيقة الباقية . . حقيقة الله الذي لا يحول ولا يزول ، حين يحول كل شيء من الحوادث ويزول . ولكي تنطلق من إسار المعهود المألوف في هذا الكون المشهود . إلى الحقيقة المطلقة التي لا تتقيد بزمان ولا مكان ولا رؤية ولا حس ، ولا مظهر من المظاهر التي تقيدها في ظرف أو إطار محدود!

وهذا هو الشعور العام الذي ينسرب إلى النفس وهي تطالع مشاهد هذا الانقلاب المرهوب .

فأما حقيقة ما يجري لكل هذه الكائنات ، فعلمها عند الله؛ وهي حقيقة أكبر من أن ندركها الآن بمشاعرنا وتصوراتنا المقيدة بمألوف حسِّنا وتفكيرنا . . وأكبر ما نعهده من الانقلابات هو أن ترجف بنا الأرض في زلزال مدمر ، أو يتفجر من باطنها بركان جائح ، أو أن ينقض على الأرض شهاب صغير ، أو صاعقة . . وأشد ما عرفته البشرية من طغيان الماء كان هو الطوفان . . كما أن أشد ما رصدته من الأحداث الكونية كان هو انفجارات جزئية في الشمس على بعد مئات الملايين من الأميال . .

وهذه كلها بالقياس إلى ذلك الانقلاب الشامل الهائل في يوم القيامة . . تسليات أطفال!!!

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1467)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت