فهرس الكتاب
ويصله بالملأ الأعلى ، ويهيئه للحياة المرسومة بحياة الجنان والخلود . وللنظر إلى الجمال الإلهي في ذلك العالم السعيد!
هذا الروح هو هبة الله الكبرى لهذا الإنسان . وهو الذي به صار إنسانًا . وهو الذي يخاطبه باسمه: { يا أيها الإنسان } . . ويعاتبه ذلك العتاب المخجل! { ما غرك بربك الكريم؟ } هذا العتاب المباشر من الله للإنسان . حيث يناديه سبحانه فيقف أمامه مقصرًا مذنبًا مغترًا غير مقدر لجلال الله ، ولا متأدب في جنابه . . ثم يواجهه بالتذكير بالنعمة الكبرى . ثم بالتقصير وسوء الأدب والغرور!
إنه عتاب مذيب . . حين يتصور « الإنسان » حقيقة مصدره ، وحقيقة مخبره ، وحقيقة الموقف الذي يقفه بين يدي ربه ، وهو يناديه النداء ، ثم يعاتبه هذا العتاب: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم .
الذي خلقك فسواك فعدلك ، في أي صورة ما شاء ركبك . . [1]
ما ترشد إليه الآياتُ:
1-إن من علامات يوم القيامة تبدل النظام الكوني ، بتشقق السماء ، وتساقط الكواكب ، وتفجير البحار بعضها في بعضها ، حتى تصير بحرا واحدا ، ثم توقد حتى تصير نارا تضطرم ، وبعثرة القبور وإخراج موتاها منها.
2-إذا حدثت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة ، حصل الحشر والنشر ، وختمت صحائف الأعمال ، فعلمت كل نفس ما كسبت ، ووجدت ما قدمت من خير أو شر ، وحوسبت كل نفس بما عملت ، وأوتيت كتابها بيمينها أو بشمالها ، فتذكرت عند قراءته جميع أعمالها ، ولم يعد ينفعها عمل بعد ذلك.
3-التحذير من السنَّة السيئة يتركها المرء بعده فإِن أوزارها تكتب عليه وهو في قبره .
4-مسكين هذا الإنسان لا يشكر نعم ربّه بإطاعة أوامره ، ولا يدخر من العمل الصالح ما يفيده في سفينة النجاة في آخرته ، وغرّه كرم اللّه الذي تجاوز عنه في الدنيا ، أو حمقه وجهله ، أو شيطانه المسلط عليه. وقَالَ سُفْيَانُ: سَمِعَ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ، رَجُلًا يَقُولُ: يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ، فَقَالَ عُمَرُ: الْجَهْلُ"حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ [2] ، كما قال تعالى: إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب 33/ 72] . وقيل للفضيل بن عياض: لو أقامك اللّه تعالى يوم القيامة بين يديه ، فقال لك: ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ؟ ماذا كنت تقول ؟ قال: كنت أقول: غرّني ستورك المرخاة لأن الكريم هو الستّار."
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (6 / 3846)
(2) - حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ (6795 ) فيه انقطاع