الصفحة 290 من 1282

يقاسون حر النار ، وأنه في هذا اليوم لا يجد المرء ما يعوّل عليه سوى ما قدمت يداه ، فيجفوه الأولياء ، ويخذله الشفعاء ، ويتبرأ منه الأقرباء فلا شفيع ولا نصير ، ولا وزير ولا مشير ، والحكم للّه وحده ، وهو المهيمن على عباده ، وبيده تصريف أمورهم ، وهو الصادق في وعده ، العدل الحكيم في وعيده ، فلا مهرب لعامل مما أعدّ له من الجزاء على عمله. [1]

« كلا » ارتدع عن الاغترار بمولاك ، ولا تجعل كرمه حجة لعصيانه فتلك حجة المغرورين المخدوعين ، فقد خلقك في صورة حسنة كاملة وركّبك في أى صورة شاءها.

و لكنكم يا معشر العصاة والكفار لا ترتدعون بل تكذبون بيوم الدين ، أو تكذبون بدين الإسلام ، والحال أن اللّه جعل عليكم حافظين: ملائكة تكتب أعمالكم وتحفظها ليوم الدين ، وهم كرام بررة ، كاتبون للأعمال: خيرها وشرها ، يعلمون كل ما تفعلون.

ويوم القيامة تعرفون وتندمون ولات ساعة مندم.

وما نتيجة هذا الحفظ والكتب من الملائكة ؟ النتيجة: إن الأبرار لفي نعيم مقيم ، وإن الفجار لفي جحيم مقيم ، يصلونها ويحترقون بنارها يوم الدين. أما الأبرار فأولئك هم العاملون المؤمنون باللّه وباليوم الآخر وبالملائكة والكتاب والنبيين ، الذين آتوا المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين ، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، ووفوا بالعهود ، وصبروا في البأساء والضراء وحين البأس أولئك هم الذين صدقوا اللّه في إيمانهم ، وأما الفجار فهم على النقيض من ذلك كله.

وما أدراك ما يوم الدين ؟ ثم ما أدراك ما يوم الدين ؟ ! وهذا تعجب من حال الإنسان الذي لا يعرف هذا اليوم الشديد ولا يعمل له لينجو من عذابه [2]

التفسير والبيان:

كَلَّا ، بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ أي ارتدعوا وانزجروا عن الاغترار بكرم اللّه وجعله ذريعة إلى الكفر به ، والواقع أنكم تكذبون بيوم المعاد والحساب والجزاء ، حيث لا يحملكم الخوف من هذا اليوم على التزام طاعة اللّه واجتناب معاصيه.

ثم زاد في التحذير من العناد والتكذيب بالإخبار أن جميع الأعمال مرصودة على الناس بالملائكة ، فقال: وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ، كِرامًا كاتِبِينَ ، يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ أي إن عليكم لملائكة حفظة كراما ، فلا تقابلوهم بالقبائح ، فإنهم يكتبون عليكم جميع أعمالكم ، ويعلمون جميع ما تفعلون ، كما قال تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ، ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق 50/ 17- 18] .

(1) - تفسير المراغي ، ج 30 ، ص: 68

(2) التفسير الواضح ، ج 3 ، ص: 837

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت