11-أحوال العاملين ومصيرهم يوم القيامة: إن الأبرار يكونون في جنات النعيم ، وإن الفجار يكونون في نيران الجحيم ، يدخلونها ويقاسون لهابها وحرها يوم الجزاء والحساب ، ويلازمونها إلى أبد الآبدين ، فلا يغيبون عنها. وليس صاحب المعصية الكبيرة فاجرا ، وإنما الكفار هم الفجرة لا غيرهم كما تقدم ، وليس صاحب الكبيرة بفاجر على الإطلاق ، لقوله تعالى: أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ [عبس 80/ 42] .
وفي هذا تهديد عظيم للعصاة ، وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ:"دَخَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَدِينَةَ حَاجًّا ، فَقَالَ: هَلْ بِهَا رَجُلٌ أَدْرَكَ عِدَّةً مِنَ الصَّحَابَةِ ؟ قَالُوا: نَعَمْ ، أَبُو حَازِمٍ ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ ، فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ مَا هَذَا الْجَفَاءُ ، قَالَ: وَأَيُّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ؟ قَالَ: وُجُوهُ النَّاسِ أَتَوْنِي وَلَمْ تَأْتِنِي ، قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَرَفْتَنِي قَبْلَ هَذَا وَلَا أَنَا رَأَيْتُكُ ، فَأَيُّ جَفَاءٍ رَأَيْتَ مِنِّيَ ؟ فَالْتَفَتَ سُلَيْمَانُ إِلَى الزُّهْرِيِّ فَقَالَ: أَصَابَ الشَّيْخُ ، وَأَخْطَأْتُ أَنَا ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ مَا لَنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ ، فَقَالَ: عَمَّرْتُمُ الدُّنْيَا وَخَرَّبْتُمُ الْآخِرَةَ ، فَتَكْرَهُونَ الْخُرُوجَ مِنَ الْعُمْرَانِ إِلَى الْخَرَابِ ، قَالَ: صَدَقْتَ ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ لَيْتَ شِعْرِي مَا لَنَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى غَدًا ؟ قَالَ: اعْرِضْ عَمَلَكَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ: وَأَيْنَ أَجِدُهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ قَالَ سُلَيْمَانُ: فَأَيْنَ رَحْمَةُ اللَّهِ ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ قَالَ سُلَيْمَانُ: لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ الْعَرْضُ عَلَى اللَّهِ غَدًا ؟ قَالَ أَبُو حَازِمٍ: أَمَّا الْمُحْسِنُ كَالْغَائِبِ يَقْدِمُ عَلَى أَهْلِهِ ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ كَالْآبِقِ يُقْدَمُ بِهِ عَلَى مَوْلَاهُ ، فَبَكَى سُلَيْمَانُ حَتَّى عَلَا نَحِيبُهُ ، وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ ، فَقَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ كَيْفَ لَنَا أَنْ نُصْلِحَ ؟ قَالَ: تَدَعُونَ عَنْكُمُ الصَّلَفَ وَتُمْسِكُوا بِالْمُرُوءَةِ ، وَتُقَسِّمُوا بِالسَّوِيَّةِ ، وَتَعْدِلُوا فِي الْقَضِيَّةِ ، قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ وَكَيْفَ الْمَأْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ: تَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ وَتَضَعُهُ بِحَقِّهِ فِي أَهْلِهِ ، قَالَ: يَا أَبَا حَازِمِ مَنْ أَفْضَلُ الْخَلَائِقِ ؟ قَالَ: أُولُو الْمُرُوءَةِ وَالنُّهَى ، قَالَ: فَمَا أَعْدَلُ الْعَدْلِ ؟ قَالَ: كَلِمَةُ صِدْقٍ عِنْدَ مَنْ تَرْجُوهُ وَتَخَافُهُ ، قَالَ: فَمَا أَسْرَعُ الدُّعَاءِ إِجَابَةً ؟ قَالَ: دُعَاءُ الْمُحْسِنِ لِلْمُحْسِنِينَ قَالَ: فَمَا أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ ؟ قَالَ: جُهْدُ الْمُقِلِّ إِلَى يَدِ الْبَائِسِ الْفَقِيرِ لَا يَتْبَعُهَا مَنٌّ وَلَا أَذًى قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ ؟ قَالَ: رَجُلٌ ظَفَرَ بِطَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَعَمِلَ بِهَا ثُمَّ دَلَّ النَّاسَ عَلَيْهَا ، قَالَ: فَمَنْ أَحْمَقُ الْخَلْقِ ؟ قَالَ: رَجُلٌ اغْتَاظَ فِي هَوَى أَخِيهِ وَهُوَ ظَالِمٌ لَهُ فَبَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَاهُ ، قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ هَلْ لَكَ أَنْ تَصْحَبَنَا وَتُصِيبَ مِنَّا وَنُصِيبَ مِنْكَ ، قَالَ: كَلَّا ، قَالَ: وَلِمَ ، قَالَ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَرْكَنَ إِلَيْكُمْ شَيْئًا قَلِيلًا فَيُذِيقَنِي اللَّهُ ضِعْفَ الْحَيَاةَ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا يَكُونُ لِي مِنْهُ نَصِيرًا ، قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ ارْفَعْ إِلَيَّ حَاجَتَكَ ، قَالَ: نَعَمْ ، تُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ ، وَتُخْرِجَنِي مِنَ النَّارِ ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ إِلَيَّ ، قَالَ: فَمَا لِي حَاجَةٌ سِوَاهَا ، قَالَ: يَا أَبَا حَازِمٍ فَادْعُ اللَّهَ لِي ، قَالَ: نَعَمْ ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ سُلَيْمَانُ مِنْ أَوْلِيَائِكَ فَيَسِّرْهُ لَخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَعْدَائِكَ فَخُذْ"