جدا الإذعان لأخبار الآخرة والتصديق بها ، فإن تصديقها - مع هذه الأعمال - حكم صريح عليها بالسفه والجنون ، وهذه النفس تكون جامحة طامحة ، فصاحبها يعللها ، ويهون عليها الأمر بالتغافل والتكذيب بيوم القيامة ، أو التعلق بالأمانى الباطلة. تلك حقائق قرآنية نادى بها العلم الحديث فلذلك إذا تليت آيات القرآن التي تنادى بإثبات البعث على هذه النفس لم يكن منها إلا أن تقول: تلك أساطير الأولين وأكاذيبهم ، حكيت لنا وأثرت عنهم ، ولكنها أحاديث لا حقيقة لها ، ولا تستحق النظر. [1]
التفسير والبيان:
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ أي عذاب شديد للمنقصين في الكيل أو الوزن ، والتطفيف: الأخذ في الكيل أو الوزن شيئا طفيفا ، أي نزرا حقيرا أو يسيرا ، والمطفف: هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن. قال ابن كثير رحمه اللّه: البخس في المكيال والميزان: إما بالازدياد إن اقتضى من الناس ، وإما بالنقصان إن قضاهم ، ولهذا فسر تعالى المطففين الذين وعدهم بالخسار والهلاك وهو الويل بقوله تعالى: الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ، وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أي هم الذين إذا اكتالوا من الناس وقبضوا لهم ، يأخذون حقهم وافيا زائدا ، وإذا كالوا أو وزنوا لغيرهم من الناس أو أقبضوهم ، ينقصون الكيل أو الوزن.
وقد أمر اللّه تعالى بالوفاء في الكيل والميزان ، فقال: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ، ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [الإسراء 17/ 35] وقال سبحانه: وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ، لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [الأنعام 6/ 152] وقال عز وجل: وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ [الرحمن 55/ 9] . وأهلك اللّه قوم شعيب ودمرهم على ما كانوا يبخسون الناس في الميزان والمكيال ، بعد أن كرر النصح لهم ، فقال تعالى: وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ، وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ، وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ [هود 11/ 85] .
ثم توعد اللّه تعالى المطففين بقوله: أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ أي ألا يخطر ببال أولئك المطففين أنهم مبعوثون ، فمسئولون عما يفعلون ؟ وأما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي ربهم في يوم عظيم الهول كثير الفزع ، جليل الخطب ، من خسر فيه أدخل نارا حامية ؟ وهو يوم القيامة.
إنه يوم يقوم الناس فيه حفاة عراة ، في موقف صعب حرج ، منتظرين لأمر رب العالمين وجزائه وحسابه. وفي هذا دلالة على عظم ذنب التطفيف ، ومزيد إثمه ، وشدة عقابه ، لما فيه من خيانة الأمانة وأكل حق الغير. وفي الإشارة إليهم بأولئك ، وقد ذكرهم عما قريب ، تبعيد
(1) - التفسير الواضح ، ج 3 ، ص: 838