الصفحة 336 من 1282

أي وليس حجبهم عن اللّه سبحانه وتعالى في الآخرة ، وبعدهم عن مواقع رحمته ، هو كل جزائهم في الآخرة ، وإن كان جزاء أليما ، وعقابا زاجرا ، بل إن وراء هذا نارا تلظّى ، يلقون فيها ، ويكونون حطبا لها .. ثم لا يتركون هكذا للنار تأكلهم ، وترعى في أجسامهم ، بل ينخسون بهذه القوارع ، بما يرجمون به من كل جانب ، من ملائكة جهنم وخزنتها بقولهم لهم: « ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ » فذوقوه لتعلموا إن كان ما كذبتم به حقا أو غير حق ، واقعا أو غير واقع: « فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا » ؟ (44: الأعراف) [1]

إنهم لا يظنون أنهم مبعوثون ليوم عظيم . . فالقرآن يردعهم عن هذا ويزجرهم ، ويؤكد أن لهم كتابًا تحصى فيه أعمالهم . . ويحدد موضعه زيادة في التوكيد . ويوعدهم بالويل في ذلك اليوم الذي يعرض فيه كتابهم المرقوم: { كلا . إن كتاب الفجار لفي سجين . وما أدراك ما سجين؟ كتاب مرقوم . ويل يومئذ للمكذبين } ! .

والفجار هم المتجاوزون للحد في المعصية والإثم . واللفظ يوحي بذاته بهذا المعنى . وكتابهم هو سجل أعمالهم . ولا ندري نحن ماهيته ولم نكلف هذا . وهو غيب لا نعرف عنه إلا بمقدار ما يخبرنا عنه صاحبه ولا زيادة فهناك سجل لأعمال الفجار يقول القرآن: إنه في سجين . ثم يسأل سؤال الاستهوال المعهود في التعبير القرآني: { وما أدراك ما سجين؟ } فيلقي ظلال التفخيم ويشعر المخاطب أن الأمر أكبر من إدراكه ، وأضخم من أن يحيط به علمه . ولكنه بقوله: { إن كتاب الفجار لفي سجين } يكون قد حدد له موضعًا معينًا ، وإن يكن مجهولًا للإنسان . وهذا التحديد يزيد من يقين المخاطب عن طريق الإيحاء بوجود هذا الكتاب . وهذا هو الإيحاء المقصود من وراء ذكر هذه الحقيقة بهذا القدر ، دون زيادة .

ثم يعود إلى وصف كتاب الفجار ذاك فيقول: إنه { كتاب مرقوم } . . أي مفروغ منه ، لا يزاد فيه ولا ينقص منه ، حتى يعرض في ذلك اليوم العظيم .

فإذا كان ذلك: كان { ويل يومئذ للمكذبين } !

ويحدد موضوع التكذيب ، وحقيقة المكذبين: { الذين يكذبون بيوم الدين . وما يكذب به إلا كل معتد أثيم . إذا تتلى عليه آياتنا قال: أساطير الأولين } . .فالاعتداء والإثم يقودان صاحبهما إلى التكذيب بذلك اليوم؛ وإلى سوء الأدب مع هذا القرآن فيقول عن آياته حين تتلى عليه: { أساطير الأولين } . . لما يحويه من قصص الأولين المسوقة فيه للعبرة والعظة ، وبيان سنة الله التي لا تتخلف ، والتي تأخذ الناس في ناموس مطرد لا يحيد .

ويعقب على هذا التطاول والتكذيب بالزجر والردع: { كلا! } ليس كما يقولون . .

(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (15 / 1490)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت