فهرس الكتاب
بعد أن ذكر سبحانه حال الفجار وحال المطففين ، وبين منزلتهم عند اللّه يوم القيامة - أتبعه ذكر حال الأبرار الذين آمنوا بربهم وصدّقوا رسولهم فيما جاء به عن خالقهم ، وعملوا الخير في الحياة الدنيا ، فذكر أن اللّه قد أحصى أعمالهم في كتاب مرقوم اسمه عليون يشهده المقربون من الملائكة.
وبعدئذ عدّد ما ينالون من الجزاء على البر والإحسان.
وفى ذلك ترغيب في الطاعة ، وحفر لعزائم المحسنين ، ليزدادوا إحسانا ، ويدعو الطرق المشتبهة الملتبسة ويقيموا على الطريق المستقيم. [1]
التفسير والبيان:
كَلَّا ، إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ أي حقا ، إن كتاب الأبرار وهم المؤمنون المخلصون العاملون المطيعون مرصود في كتاب بيّن مسطور ، أو في أعالي الجنة ، ومصيرهم إلى الجنة ، وهم بخلاف الفجار ، وهو بخلاف سجين.
وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ ؟ كِتابٌ مَرْقُومٌ ، يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ أي وما أعلمك يا محمد أي شيء هو عليون ؟ ويراد بذلك تفخيم أمره وتعظيم شأنه ، إنه كتاب مسطور ، سطرت فيه أسماؤهم وأعمالهم ، وهو السجل الكبير ، الذي تحضره الملائكة وتحفظه ويرونه كما يحفظ اللوح المحفوظ ، أو يشهدون بما فيه يوم القيامة.
ثم أبان اللَّه تعالى حالهم فقال: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ، عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ أي إن أهل الطاعة لفي تنعم عظيم يوم القيامة ، وفي جنات الخلود ، على الأسرّة التي في الحجال (ذات القبب الساترة) ينظرون إلى ما أعده اللَّه لهم من أنواع النعيم في الجنة ، وإلى ما لهم من الكرامات المادية والمعنوية ، أما الماديات فهي مختلف أنواع الأطعمة الشهية والأشربة الهنية والحور العين والمراكب الفارهة والمساكن الفخمة ، وأما المعنويات فأنساهم باللَّه ورؤيتهم له ورضاه عنهم وشعورهم بالأمن والطمأنينة والسعادة الأبدية.
تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ أي إذا رأيتهم عرفت آثار النعمة والترف والسرور والدعة في وجوههم ، التي تتلألأ بالنور والحسن والبياض ،والبهجة والرونق لأن اللَّه تعالى زاد في جمالهم وفي ألوانهم ما لا يصفه واصف ، كما قال تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ، ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ [عبس 80/ 38- 39] .
يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ،خِتامُهُ مِسْكٌ ،وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ أي يسقون من الخمر التي لا غش فيها ولا يشوبها شيء يفسدها ،وقد ختم إناؤها بالمسك فلا يفكه إلا الأبرار ، ويكون
(1) - تفسير المراغي ، ج 30 ، ص: 80