فهرس الكتاب
قال ابن جرير: التنافس أن ينفس الرجل على الرجل بالشيء يكون له ، ويتمنى أن يكون له دونَه ، وهو مأخوذ من الشيء النفيس ، وهو الذي تحرص عليه نفوس الناس وتطلبه وتشتهيه ، وكأن معناه في ذلك: فليجدّ الناس فيه وإليه ، فليستبقوا في طلبه ولتحرص عليه نفوسهم . وقال الرازيّ: إن مبالغتهُ تعالى في الترغيب فيه تدل على علوّ شأنه . وفيه إشارة إلى أن التنافس يجب أن يكون في مثل ذلك النعيم العظيم الدائم ، لا في النعيم الذي هو مكدر سريع الفناء . [1]
أي أن هؤلاء الأبرار ، الذين أخذوا منازلهم في الجنة ، واتكئوا على الأرائك المعدّة لهم ، وسرحوا بأبصارهم في ألوان هذا النعيم الممدود بين أيديهم إنه يطاف عليهم بالرحيق ، وهو الشراب الخالص من كل كدر ، المبرأ من كل سوء ، وقد ختم بخاتم من المسك ، فإذا فضّ ختامه عبقت منه رائحة المسك ، فعطرت الجو من حوله ، فتنتعش النفوس لشرابه ، وتهشّ لاستقباله. « وَ فِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ » أي لمثل هذا فليعمل العاملون ، ويجد المجدون ، ويتنافس المتنافسون ..
فهذا هو الذي ينبغى أن يطلب ، ويشتد الطلب عليه ، ويكثر التنافس فيه ، وأما ما سواه ، فهو هباء وقبض الريح.
قوله تعالى: «وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ » أي أن هذا الرحيق الذي يسقى منه الأبرار في الجنة ، والذي تعبق منه رائحة المسك ، هو ممزوج بتسنيم!!
وقد بين اللّه تعالى هذا التسنيم الذي يمزج بهذا الرحيق ، وهو عين من عيون الجنة ، لا يعلم كنهها إلا اللّه سبحانه وتعالى ، قد أعدها ـ جل شأنه ـ ليشرب منها عباد اللّه المقربون ، أي أهل القرب منه ، وأهل الكرامة عنده ..
وفى تعدية الفعل يشرب بالباء ، بدلا من حرف الجر « من » كما يقضى بذلك وضع اللغة ـ في هذا إشارة إلى أن هذه العين هى شراب ، وأداة للشراب أيضا ، فهم يشربون بهذه العين من العين!! .. وقد أشرنا إلى هذا عند تفسير قوله تعالى: « عَيْنًا يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيرًا » (6: الإنسان) [2]
وكلمة { كلا } تجيء في صدر هذا المقطع زجرًا عما ذكر قبله من التكذيب في قوله: { ثم يقال: هذا الذي كنتم به تكذبون } . . ويعقب عليه بقوله: { كلا } ثم يبدأ الحديث عن الأبرار في حزم وفي توكيد .
فإذا كان كتاب الفجار في { سجين } فإن كتاب الأبرار في { عليين } . . . والأبرار هم الطائعون الفاعلون كل خير . وهم يقابلون الفجار العصاة المتجاوزين لكل حد . .
(1) - محاسن التأويل تفسير القاسمي - (13 / 175)
(2) - التفسير القرآني للقرآن ، ج 16 ، ص: 1496